الانتفاضة الثقافية
بقلم : ذ الباحثة : ثريا عربان
بعدما نفضت الغبار عن هذا الشكل الجلدي الذي يبهر العين بألوانه المزركشة وهي جالسة على صطرمية بوجهها البشوش الذي رغم ما دلت عليه تجاعيده من سنين مرت ، فلازالت علامات الحسن والجمال تنطق بما تمتعت به هذه المرأة الزوجة من فتنة وسحر واضعة على رأسها منديلا أبيض عليه رسومات بخليط من الألوان وقفطانها التقليدي المزركش بألوان زاهية زادتها بهاء وهي جالسة في ركن قبة واسعة مفروشة بطريقة تقليدية حيث يوجد هذا الصندوق الخشبي المزين بصدفات نحاسية ومنقوش بشكل دقيق تفننت فيه يد الصانع المغربي ، وهي تسل مابداخله من حاجيات كانت تختزنها به للحفاظ عليها سواء تخصها أو تخص أسرتها ، سقطت عيناها على ركن الصندوق المخصص لحاجيات زوجها ومن بين هذه الأشياء المضمة ، الكمية ، المجدول…..إنها الحاجة فاطمة زوجة الحاج أحمد وهي تنفض الغبار عن هذا الشكل التحفة بدت على وجهها ملامح الحنين فتوقفت قليلا تتأمل في الماضي وتجوب غياهيبه مسترجعة نخوة زوجها المرحوم وهو يستعد للخروج أو وهو قادم من العمل أو من موسم التبوريدة الذي كان يشارك فيه بمناسبات متنوعة كالأعياد وحفل الزواج أو حفل عقيقة متمنطقا بشكارته التقليدية المطرزة بشكل متقن يظهر عن مهارة فائقة. فالشكارة وعاء جلدي لنقل وخزن الأشياء يصنع من جلد ناعم ،غالبا من جلد الضأن, هذا الرمز التاريخي المشحون بالعديد من الحمولات جعل الحاجة فاطمة تتوقف قليلا وتضع هذه الشكارة على ركبتيها وتقلبها على جميع الجهات وتقلب معها أوراق كتاب خطت سطوره من ذهب ، فمرة تبتسم ومرة تصعد تنهيدة الحنين و تسترجع علامة من علامات الرجولة حيث كان الذكر قديما بخروجه من مرحلة الطفولة يتمنطق بالشكارة حيث يحمل المال واللوز والتمر والزبيب والحمص وماتوفر لديه من فواكه جافة وكل ماهو بحاجة إليه كالمقص والإبرة والخيط والساعة وغيرها…لازالت هذه الحاجة تحدق في هذه الشكارة الجميلة المنظر المطرزة بشكل دقيق والتي تحمل أكثر من دلالة ، فبدأت تسترجع ذكريات وقفة الحاج أحمد ودخلته ونخوته وركوبه فرسه الأدهم ، إنه الماضي الذي يعج بالعزة حيث تجولت بها عينيها وهي تنظر إلى شكارة زوجها في سنين مضت .فإذا بحفيدها آدم يدخل عليها كعادته مسرعا ليرتمي في أحضانها و ليشتم من عطر جدته ويشعر بالاطمئنان فلفت انتباهه هذا الشكل المستطيل المطوي على نفسه والمتعدد الجيوب فأخذه من بين يدي جدته بلطف ثم شرع في طرح أسئلته الفضولية و من هنا بدأت حكاية هذه الشكارة التي امتزج فيها الحب والضياع والشعور بالنخوة واستحضار الماضي الجميل حيث كان صناع الشكارة يشكلون سوقا خاصا بهم يسمى سوق الشكايرية لأن هذه التحفة لاتخرج للوجود دفعة واحدة وإنما تمر من مراحل وتقفز كالفراشة من يد صانع أإلى يد آخر إلى أن تأخذ شكلها النهائي الفتان .فهي في البداية مجرد قطعة جلدية تقطع إلى ثلاثة أطراف الوجه ، الخزنة ثم الجيوب تطبع ثم تدفع إلى المعلمة الغرازة ثم تدفع الى الصرام وهو الذي يعمل على تطريز جنبات الشكارة وهو الذي يقوم أيضا بجمع جميع الأطراف ليقوم الطراح بعده بعملية تبسيط هذه القطعة والعمل على تثقيلها لتأخذ شكلها المبسوط .هذا ويعتمد هؤلاء الصناع على اختلاف مهامهم أدوات مختلفة لإعداد هذه الرمز التاريخي كالشفرة ولشفة والصارمة لتطريز القطعة الجلدية والمقود(عبارة عن إبرتين لجمع الأطراف) والدابد عبارة آلة لرسم الدائرة أو نصفها ع والمغتل مسمار حديدي مقعر الرأس للرسم على الجلد و القرباص قطعة خشبية مقعرة الرأس الهدف منها تبسيط جنبات الشكارة الخفيف عبارة عن مطرقة خشبية تساعد الصانع على تبسيط القطعة الجلدية من بدايتها إلى نهايتها .أما لإلصاق الأطراف فلقد كان الصانع يهيئ خلطة طبيعية مكونة من الدقيق اللين والحديدة الزرقاء بعد دقها جيدا ويخلط الجميع بالماء المغلي ليعطينا مايسمى بلغة المعلمية ” الغرا”وبعد هذه الخطوات تخرج إلينا الشكارة في ابهى صورة تبهر الناظر وتدفع عشاقها لاقتنائها .

التعليقات مغلقة.