الانتفاضة / سيداتي بيدا
في سوق عالمية لا ترحم المترددين، حيث يمكن لاضطراب في سلاسل التوريد أن يربك حسابات الصناعات الكبرى، يتجه المغرب إلى تعزيز خياراته لتأمين مادة حيوية لصناعة الأسمدة، مع ترقب وصول شحنتين من الكبريت الروسي إلى ميناء الجرف الأصفر قبل نهاية أكتوبر الجاري. خطوة تضع ملف الإمدادات الصناعية تحت المجهر، وتكشف حجم الرهان على تنويع الشركاء لتفادي الوقوع تحت ضغط تقلبات الأسواق الخارجية.
المعطيات التي كشفت عنها شركة «كبلر» المتخصصة في تحليل البيانات وتتبع حركة الشحن البحري تشير إلى تحميل الشحنتين خلال أكتوبر الجاري بميناء أوست لوغا الروسي، المطل على خليج فنلندا، في اتجاه المغرب، حيث يرتقب وصولهما إلى ميناء الجرف الأصفر قبل نهاية الشهر.
إنها رسالة اقتصادية واضحة: ضمان استمرار الإنتاج لا يحتمل الارتهان لمصدر واحد، ولا ينتظر إلى حين انفجار أزمة التموين. فالمجمع الشريف للفوسفاط، باعتباره فاعلاً رئيسياً في السوق العالمية للأسمدة الفوسفاطية، يحتاج إلى تدفقات منتظمة من المواد الأولية التي تشكل أساساً لاستمرارية عملياته الصناعية والحفاظ على قدرته التنافسية.
وتكتسب هذه الخطوة أهميتها في ظل تراجع الإمدادات القادمة من الإمارات العربية المتحدة، التي شكلت أحد المصادر المهمة لتموين الوحدات الصناعية التابعة للمجمع بالكبريت. ومع اضطراب حركة الشحن البحري وتقلص صادرات بعض البلدان المنتجة، أصبحت مسألة تأمين هذه المادة أكثر ارتباطاً بقدرة المغرب على التحرك السريع وإيجاد بدائل عملية.
فالكبريت ليس مجرد سلعة عادية في حسابات الاستيراد، بل حلقة أساسية في سلسلة إنتاج الأسمدة، إذ يُستخدم في تصنيع حمض الكبريتيك الذي يدخل في معالجة الفوسفاط وتحويله إلى منتجات صناعية موجهة إلى الأسواق الدولية. وأي اختلال مستمر في توفيره قد يرفع تكاليف الإنتاج ويزيد الضغوط على سلاسل التوريد، خصوصاً في سوق تتسم بمنافسة قوية وتقلبات متلاحقة.
لكن الرهان الحقيقي لا يتوقف عند وصول شحنتين من روسيا؛ بل يمتد إلى قدرة المنظومة الصناعية المغربية على بناء شبكة توريد أكثر تنوعاً ومرونة، وتفادي المفاجآت التي قد تفرضها الأزمات الجيوسياسية أو الاختناقات اللوجستية. فتنويع الموردين ليس ترفاً تجارياً، وإنما أداة لتقليص المخاطر وحماية استمرارية الإنتاج.
وفي المقابل، لا تسمح المعطيات المتاحة بالجزم بأن الشحنتين ستعوضان كامل النقص المسجل أو تضمنان استقرار الإمدادات لفترة طويلة، ما يجعل تطورات التموين خلال الأسابيع المقبلة محط متابعة.
الخلاصة أن معركة الأسمدة لا تبدأ عند خطوط الإنتاج بل عند تأمين المواد الأولية قبل وصولها إلى المصانع وفي عالم تتغير فيه مسارات التجارة تحت ضغط الأزمات سيكون نجاح المغرب رهينا بقدرته على تحويل تنويع الإمدادات من تحرك ظرفي الى استراتيجية مستدامة تحمي الصناعة و الصادرات من تقلبات الخارج .