الموت بين عجلات الطائرة عندما يتحول الحلم إلى جــثة متجمدة فوق السحاب

0

الانتفاضة/ سيداتي بيدا 

لم يصل إلى لندن. لم ير شوارعها، ولم يلمس أرضها، ولم يبدأ الحياة التي حلم بها. كل ما وصل هو جـثته.
في واحدة من أبشع صور الهجرة السرية وأكثرها قسوة، انتهت رحلة رجل مجهول الهوية داخل حجرة عجلات طائرة قادمة من طنجة إلى لندن، بعدما اختار الاختباء في مكان لا يصلح للحياة أصلاً، آملاً أن يخدع الحدود، فخدعته الأوهام وقادته مباشرة إلى الموت.
داخل تلك الحجرة المعدنية الضيقة، حيث تنخفض درجات الحرارة إلى عشرات الدرجات تحت الصفر، وحيث يكاد الأكسجين ينعدم، وحيث يتحول جسد الإنسان إلى كتلة متجمدة خلال وقت قصير، كان الرجل يخوض معركة خاسرة منذ لحظة الإقلاع. لم يكن يملك فرصة حقيقية للنجاة. كان يحمل أملاً أكبر من الواقع، وحلماً أكبر من قدرته على البقاء.
وعندما لامست الطائرة مدرج مطار لندن، كانت النهاية قد سبقت الوصول. عُثر على جـثته هامدة بين معدات الهبوط، في مشهد صادم يلخص مأساة جيل كامل يطارد السراب عبر الحدود.

 


هذه الحادثة ليست مجرد خبر عابر في صفحات الحوادث، بل شهادة دامغة على حجم اليأس الذي يدفع بعض الشباب إلى اختيار طرق يعلمون مسبقاً أنها قد تكون طريقاً بلا عودة.
فأي درجة من الإحباط تجعل إنساناً يختبئ داخل عجلات طائرة؟ وأي شعور بانسداد الأفق يدفعه للمغامرة بحياته في مكان يعلم الخبراء أن احتمالات النجاة فيه تكاد تكون معدومة؟
إن المـوت بين عجلات الطائرات ليس بطولة، وليس مغامرة، وليس طريقاً للهجرة. إنه حكم بالإعدام ينفذه البرد والاختناق والضغط الجوي على ارتفاع آلاف الأمتار.
ورغم تكرار هذه المآسي حول العالم، ما زال البعض يصدق الروايات المضللة التي تروج لفكرة الوصول السهل إلى أوروبا بأي ثمن، بينما الحقيقة أكثر قسوة: كثيرون يغادرون أوطانهم أحياء، لكنهم لا يصلون أبداً إلى وجهتهم. لقد سقط هذا الرجل ضحية حلم مشروع في أصله، لكنه اختار له طريقاً قاتلاً.

وبين طنجة ولندن لم تكن هناك رحلة سفر، بل رحلة موت مؤجلة انتهت قبل الوصول.
قصة جديدة تضاف إلى سجل طويل من الضحايا الذين لم تقتلهم الحدود وحدها، بل قـتلهم اليأس حين أقنعهم أن المخاطرة بالـموت أهون من البقاء في واقع فقدوا فيه الأمل.
وفي النهاية تبقى الحقيقة المؤلمة واضحة: الهجرة السرية لا تبدأ دائماً بقارب في البحر، بل تبدأ بفكرة خاطئة تقول لصاحبها إن المستحيل قد يكون ممكناً، قبل أن يكتشف متأخراً أن بعض الطرق لا تقود إلى الحياة… بل إلى القبر.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.