أزمة العدول بالمغرب حين يتحول الإصلاح القانوني إلى مصدر للاحتقان وفقدان الثقة

الانتفاضة/ جميلة ناصف

لم تعد أزمة العدول في المغرب مجرد خلاف مهني عابر حول مشروع قانون تنظيمي، بل تحولت خلال الأسابيع الأخيرة إلى واحدة من أكثر القضايا إثارة للنقاش داخل الفضاء القانوني والسياسي والحقوقي، بعدما كشفت حجم التوتر القائم بين الدولة والهيئات المهنية، وأعادت طرح أسئلة عميقة حول طريقة تدبير الإصلاحات الكبرى وحدود التوازن بين التحديث والحفاظ على خصوصية المؤسسات التاريخية للمجتمع المغربي.

فعودة العدول إلى مكاتبهم بعد إضراب وطني شل قطاع التوثيق لا تعني نهاية الأزمة، بقدر ما تؤشر على انتقالها إلى مرحلة أكثر حساسية، عنوانها المواجهة الدستورية والسياسية. إذ إن إعلان الهيئة الوطنية للعدول التوجه نحو الطعن بعدم دستورية بعض مقتضيات مشروع القانون المنظم للمهنة، يكشف بوضوح أن جزءاً مهماً من الجسم العدلي يعتبر أن ما جرى لا يتعلق فقط بإصلاح قانوني تقني، بل بمسار ينظر إليه باعتباره مساساً بمكانة مهنة ظلت لعقود طويلة جزءاً من البنية الاجتماعية والقانونية للدولة المغربية.

المشكلة اليوم لا تكمن فقط في مضمون بعض المواد القانونية المثيرة للجدل، وإنما في الطريقة التي يتم بها تدبير الإصلاحات المرتبطة بالمهن القضائية والقانونية. فحين تشعر فئة مهنية عريقة بأن صوتها لم يُؤخذ بعين الاعتبار بالشكل الكافي، وأن مطالبها الجوهرية جرى تجاوزها، فإن الاحتقان يصبح نتيجة طبيعية، مهما كانت مبررات الدولة أو الأغلبية البرلمانية. لذلك، فإن ما وقع مع العدول يعكس أزمة أعمق تتعلق بمنهجية التشريع والحوار المؤسساتي، أكثر مما يتعلق بخلاف تقني محدود حول مواد قانونية.

لقد أظهر الإضراب الأخير مدى حساسية مهنة العدول داخل المجتمع المغربي. فتعطيل عقود الزواج والطلاق والمعاملات العقارية والإرث والتوثيق البنكي كشف أن هذه المهنة ليست مجرد قطاع إداري ثانوي، بل ركيزة أساسية من ركائز الاستقرار الاجتماعي والتعاقدي. كما أبرزت الأزمة هشاشة عدد من المساطر المرتبطة بحياة المواطنين اليومية، ومدى الترابط القائم بين العدالة والتوثيق والاقتصاد والحياة الأسرية.

وفي خضم هذا الجدل، برز خطاب سياسي حاد داخل البرلمان، خاصة بعد التصريحات المثيرة التي أطلقتها البرلمانية نبيلة منيب، والتي ربطت مشروع القانون بقضايا العقار والهوية والاستحواذ على الأراضي. ورغم أن بعض هذه التصريحات أثار جدلا واسعا، فإنها عكست حجم المخاوف التي باتت تحيط بمستقبل مهنة العدول، خاصة في ظل التحولات الاقتصادية والعقارية التي تعرفها البلاد، والتوسع المتزايد لمنطق السوق داخل عدد من القطاعات المرتبطة بالخدمات القانونية والتوثيقية.

غير أن النقاش الحقيقي يجب ألا ينزلق نحو الشعبوية أو التخوين، بل يفترض أن يظل مؤطرا بمنطق المؤسسات والدستور والمصلحة العامة. فالإصلاح القانوني يبقى ضرورة لا يمكن إنكارها، خصوصا في ظل التحولات الرقمية والاقتصادية التي يعرفها المغرب، لكن هذا الإصلاح يفقد جزء كبيرا من مشروعيته حين ينتج شعورا بالإقصاء داخل الفئات المعنية به مباشرة. والتحديث الحقيقي لا يعني إضعاف المهن التقليدية أو تجريدها من أدوارها التاريخية، بل إدماجها في مسار التطوير بطريقة تضمن الكفاءة وتحافظ في الآن نفسه على التوازنات الاجتماعية والمؤسساتية.

ثم إن أخطر ما يمكن أن تفرزه هذه الأزمة هو تعميق فقدان الثقة بين الدولة والهيئات المهنية. فحين تتحول مشاريع القوانين إلى مصدر دائم للاحتقان، وتصبح لغة الإضراب والتصعيد هي الوسيلة الوحيدة لفرض النقاش، فإن ذلك يعكس خللا في قنوات الوساطة والحوار والتوافق. والدول الحديثة لا تقاس فقط بقدرتها على إصدار القوانين، بل أيضا بقدرتها على بناء توافقات واسعة حولها، خاصة عندما يتعلق الأمر بقطاعات تمس حياة المواطنين بشكل مباشر.

اليوم، وبعد مصادقة البرلمان على مشروع القانون، تبدو الكرة في ملعب المؤسسات الدستورية والحكومة والهيئات المهنية معاً. فإما أن تتحول الأزمة إلى فرصة لإعادة بناء الثقة وفتح نقاش جدي حول مستقبل التوثيق والعدالة المهنية بالمغرب، وإما أن تستمر حالة التوتر بما يحمله ذلك من انعكاسات سلبية على الاستقرار القانوني والاجتماعي والاقتصادي.

إن المغرب، وهو يرفع شعار تحديث منظومته القانونية والقضائية، يحتاج أكثر من أي وقت مضى إلى إصلاحات تبنى على الحوار الحقيقي، لا على منطق الغلبة العددية داخل البرلمان فقط. لأن القوانين، مهما كانت متقدمة، تفقد جزء من قوتها حين تولد وسط الاحتقان، بينما تكتسب شرعيتها الحقيقية حين تتحول إلى تعبير عن توافق مجتمعي ومهني واسع يوازن بين ضرورات التطوير واحترام التاريخ والحقوق المكتسبة.

وما يزيد من حساسية هذا الملف أن مهنة العدول لا ترتبط فقط بالجانب القانوني الصرف، بل تحمل امتدادا تاريخيا وثقافيا عميقا داخل المجتمع المغربي. فالعدول ظلوا، لقرون طويلة، جزء من البنية الاجتماعية التقليدية، ومن منظومة الثقة التي تؤطر العلاقات والمعاملات بين المواطنين، سواء في المدن أو القرى والمناطق النائية. ولذلك، فإن أي إصلاح يمس هذه المؤسسة لا يقرأ فقط بمنطق التحديث الإداري، بل ينظر إليه أيضا باعتباره مساسا بتوازنات اجتماعية ورمزية متجذرة. ومن هنا يمكن فهم حجم الحساسية التي رافقت النقاش حول مشروع القانون، والقلق الذي عبر عنه عدد من المهنيين بشأن ما يعتبرونه تراجعا تدريجيا عن المكانة التاريخية للعدول داخل منظومة التوثيق المغربية.

كما أن هذه الأزمة تطرح، بشكل غير مباشر، سؤال العدالة المهنية داخل منظومة المهن القانونية والقضائية بالمغرب. فخلال السنوات الأخيرة، تصاعدت الانتقادات المرتبطة بما يعتبره بعض المهنيين “اختلالا في توزيع الاختصاصات والنفوذ” بين مختلف الفاعلين داخل قطاع التوثيق والعدالة، في ظل توسع أدوار بعض المهن مقابل شعور أخرى بالتراجع أو التهميش. ولذلك، فإن الاحتقان الحالي يعكس أيضا صراعا صامتا حول النفوذ المهني والاقتصادي داخل سوق التوثيق والعقار، وهو صراع مرشح للتفاقم مستقبلا إذا لم تتم معالجته ضمن رؤية شاملة تحقق التوازن بين مختلف المتدخلين وتحافظ على مبدأ التكامل بدل الإقصاء أو الإضعاف المتبادل.

وفي العمق، تكشف أزمة العدول عن مفارقة أساسية يعيشها المغرب اليوم، فبينما تتسارع وتيرة الإصلاحات القانونية والمؤسساتية تحت ضغط التحولات الاقتصادية والاستثمارية والرقمية، لا تزال آليات الحوار والتوافق المجتمعي عاجزة أحيانا عن مواكبة هذه السرعة. وهذا ما يجعل عددا من الإصلاحات، رغم أهميتها، تدخل دائرة التوتر والرفض بدل أن تتحول إلى مصدر للثقة والاستقرار. لذلك، فإن الرهان الحقيقي لا يتعلق فقط بتمرير القوانين أو تحديث النصوص، بل ببناء تعاقد مؤسساتي جديد يقوم على الإنصات والتشارك واحترام التوازنات المهنية والاجتماعية، لأن أي إصلاح لا يقنع الفاعلين المعنيين به مباشرة، يبقى معرضا دائما للاهتزاز مهما كانت مبرراته التقنية أو السياسية.

التعليقات مغلقة.