“مافيا العقار” بفاس: النيابة العامة تفضح التزوير المعنوي والاستيلاء على أملاك ضحية عبر الشعوذة

0

الانتفاضة / إلهام أوكادير

لم تكن قاعة محكمة الاستئناف بفاس يومها كغيرها من الأيام، فعلى مقاعدها جلس الحضور وهم يترقبون فصلاً جديداً من فصول المواجهة مع “مافيا العقار” التي أرقت المغاربة لمدة طويلة.

فما إن اعتلى نائب الوكيل العام للملك الأستاذ “محمد المعدني” منصة المرافعة، حتى تحولت القاعة إلى مسرح للحقيقة العارية، حيث جاءت كلماته نارية تقطع الشك باليقين، بأن ما بين يدي الهيئة ليس مجرد نزاعات مدنية تائهة في ردهات المحاكم، بل هو جريمة منظمة نُسجت خيوطها بعناية لتضرب جوهر التعاقد.

ومن خلال ما أفادت به بعض المصادر، فقد كشفت النيابة العامة عن الوجه الآخر للقانون حين يُستخدم كقناع، فالمتهمون الثلاثة الذين وقفوا خلف هذه الشبكة لم يطرقوا باب التزوير المادي المفضوح والمعتاد، بل تسللوا عبر استراتيجية أكثر خبثاً ألا وهي التزوير المعنوي، إذ صاغوا عقوداً قانونية مكتملة الأركان في ظاهرها، لكنها في عمقها لم تكن سوى غطاء زائف أُريد به تمرير عمليات استيلاء ممنهجة، عقودٌ صُممت ببراعة لإخفاء الحقيقة لا لتوثيقها، وهو ما فضحه غياب أي أثر مادي أو تحويلات بنكية يمكن أن تشهد بأن أثمان العقارات المفوتة قد دُفعت يوماً.

ومن تفاصيل صادمة إلى أخرى، أماطت جلسة المحاكمة اللثام عن الأساليب غير المألوفة التي اعتمدتها الشبكة للإطاحة بضحاياها، وفي مقدمتهم الهالكة “ن. ق” التي كانت الفاجعة مدخلاً لنهبها، فبعد أن خطف الموت والديها وجدت نفسها في هشاشة نفسية قاتلة، وهي اللحظة التي التقطتها الشبكة لتعزلها عن محيطها العائلي عبر ممارسات أقرب إلى الطقوس العلاجية والشعوذة، فبدأ مسلسل التجريد من الممتلكات يمضي بهدوء ليطال فيلات وأراضٍ ومحلات تجارية بمدينة فاس، وهنا ارتفع صوت ممثل الحق العام مستنكراً هذه الأفعال عبر قوله: “أي منطق قانوني هذا الذي يجيز تفويت ثروة عقارية هائلة في فترات زمنية متقاربة دون مبرر اقتصادي أو أثر مالي ملموس يزكي سلامة المعاملات؟.

ولم تكن خاتمة المرافعة أقل حدة من بدايتها، إذ شدد نائب الوكيل العام على أن العدالة لا يمكن أن تبنى على المظاهر الخادعة، وأن رحيل الضحية قبل أن تسترد حقوقها يضع القضاء أمام مسؤولية مضاعفة لحماية الأمن العقاري وإعادة الثقة للمواطنين في دولة القانون، منبهاً إلى خطورة استهداف الفئات الهشة من كبار السن وذوي الأوضاع النفسية الصعبة عبر طرق احتيالية معقدة، ليتقرر بعدها إدخال الملف للمداولة من طرف غرفة الجنايات الابتدائية للنطق بالحكم في آخر الجلسة، ليبقى الرأي العام معلقاً بين جدران المحكمة ينتظر كلمة الفصل في هذه القضية التي هزت وجدانه.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.