0

الانتفاضة//الحجوي محمد 

 

في زاويةٍ من زوايا مدينة قلعة السراغنة، حيث تختزل الجدران حكايات الزمن الجميل، ينبض نادٍ ثقافي بحيوية استثنائية، ليس فقط لأنه فضاء للقاء والمبادرة، بل لأنه خزانٌ حي لذاكرةٍ جماعية تستحق الصون. إنه نادي داركم الذي يطل علينا اليوم بالمجموعة الثانية من صوره التوثيقية، ليكشف عن معرض تراثي فريد، أشرف على إعداده وتنظيمه الأستاذ س. محمد لشهب، في مبادرة تستحضر الماضي بكل ألقٍ وتفاصيل، وتجعل من التراث المحلي نافذةً مفتوحة على عبق التاريخ وأصالة الحياة القديمة.

يتجلى في أروقة هذا المعرض التراثي الغني ما يسر الناظرين ويثير في النفوس مشاعر الحنين والدهشة، فهو يزخر بقطع أثرية نادرة وأرشيف عتيق يحمل بين طياته قصصاً من زمن لم تعرفه إلا القلوب الواعية وجسده الحرفيون والفلاحون والفنانون بأدواتهم اليومية. فإلى جانب الآلات التقليدية التي كانت عصب الحياة الريفية والحضرية، تتراص ساعات عتيقة ظلت تصارع الزمن لتخبرنا أن الوقت ليس رقماً فحسب، بل ذاكرة تمر عبر تروسها النحاسية. كما تضم المجموعة آلات موسيقية كانت عزفاً على أوتار الفرح والحزن، وتحفاً نادرة تحمل بصمات حرفيين أجادوا نحت التفاصيل الجميلة في الخشب والمعدن والقماش.

ما يميز هذه المبادرة الثقافية التي يقودها نادي داركم بإشراف الأستاذ لشهب، أنها لا تقف عند حدود العرض المتحفي التقليدي، بل تتجاوزه إلى أفق أوسع يتمثل في إحياء ملامح الحياة القديمة بروح معاصرة، حيث يعيد المعرض تركيب المشهد اليومي للإنسان القلعي في عقود خلت، من خلال أدوات الطبخ والزراعة والإنارة والكتابة، وكأن الزائر يجول في متحف حي يهمس له بحكايات الجدات والأجداد. إنها دعوة صريحة للتأمل في قيمة الموروث المحلي، ليس باعتباره مجرد تحفٍ ترابية أو معدنية، بل كعلامات فارقة على هوية مجتمع صاغته التقاليد والمهارات والجماليات المحلية.

بهذا العمل الثقافي الرائد، يجدد نادي داركم بقلعة السراغنة التزامه بالحفاظ على الذاكرة المحلية وصون التراث من الاندثار، مؤكداً أن المعرفة بالجذور ليست ترفاً فكرياً، بل ضرورة لبناء مستقبل متوازن للأجيال القادمة. ففي زمنٍ تتسارع فيه التحولات وتتلاشى فيه كثير من ملامح الماضي، تبقى صور كهذه المعارض شعلةً تضيء الطريق نحو تقدير الذات الجماعية، وتجعل من التراث جسراً يعبر بنا من الأصالة إلى المعاصرة بكل اعتزاز وإبداع.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.