الانتفاضة
يطل شهر رمضان على الأمة الإسلامية ليس بوصفه إمساكا عن الطعام والشراب فحسب، بل يشرق كمنارة تربوية كبرى تستمد ضياءها من مشكاة النبوة. فهو مدرسة متكاملة الأركان، صاغ الرسول صلى الله عليه وسلم معالمها بسيرته العطرة، لتكون محطة سنوية لتزكية النفس، والسمو بالروح والارتقاء بالأخلاق.
لقد رسم الشرع نهجا فريدا لصيام شهر رمضان يبدأ بالاستعداد الروحي المبكر له لعظم منزلته بين الشهور.
وقد جسدت السيرة النبوية نموذجا حيا لهذا النهج الذي يجمع بين محراب العبادة وسكينة الخلوة، والعمل، وذروة العطاء، وبناء الإنسان والمجتمع.
إن فلسفة الصيام في السيرة النبوية عنوانها التقوى، بما يجعل الصائم مسترشدا بوحي السماء وهو يجترح واقع النفس والمجتمع، فيتحول إلى طاقة واعية إيجابية تثمر جودا، وتجعل من الفرد لبنة رحمة تزيد المجتمع تماسكا وتضامنا.
فمع إهلال شهر رجب، كان النبي صلى الله عليه وسلم يلهج بالدعاء: “اللهم بارك لنا في رجب وشعبان وبلغنا رمضان”، وكان يكثر من الصيام في شهر شعبان، وكأنما يضع للروح مضمارا طويلا للركض نحو الطاعة بغرض الرفع من اللياقة الروحية للمسلم، لتعتاد نفسه على مشقة الانقطاع، ولترفع أعماله إلى الله وهو في حالة من الصفاء التعبدي، مما يجعل دخوله الشهر الفضيل دخولا آمنا، ونضجه الإيماني مكتملا.
كما يتجلى رمضان في رحاب السيرة العطرة، كـ “مختبر أخلاقي” لإعادة ضبط السلوك البشري.
فالصيام في المنهج النبوي، ليس مجرد حرمان مادي، بل هو “ج نة” ووقاية، تعصم المرء من مزالق اللسان وعثرات الغضب، حيث قال عليه الصلاة والسلام، : “فإن سابه أحد أو قاتله، فليقل إني صائم”، ليؤسس بذلك مفهوما سلميا لمقاومة السفه بالإحجام عن مقابلته بسفه مثله، والتحلي مقابل ذلك بالصبر وتعزيز مهارة ضبط النفس بما يجعل عبادة الصيام حالة من السلم الداخلي تنعكس أمنا على المجتمع بأسره.
وكان النبي الكريم “أجود بالخير من الريح المرسلة”، وكان أجود ما يكون في رمضان، موضحا بأن جوده صلى الله عليه وسلم لم يكن بذلا للمال فحسب، بل كان جودا بالنفس والبدن، وبالعلم والدعوة، وبتلاوة القرآن والعبادة، وبحسن الخلق، وكان ذلك يبلغ ذروته بحلول شهر نال شرف نزول القرآن، وفيه يضاعف الأجر والثواب.
وتتجلى أبهى صور الجود عنده عليه الصلاة والسلام، في “عقد المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، الذي كان درسا عمليا في الإيثار والعفة”، حيث تلاشت الطبقية والمصالح الشخصية أمام نداء الأخوة الإيمانية، مشيرا إلى أن “هذا الإرث النبوي هو ما نراه اليوم متجسدا في قيم التضامن الاجتماعي، والمبادرات الإنسانية التي تشهدها بلادنا، مما يؤكد أن السيرة النبوية، لا تزال بفضل الله تعالى، نابضة في وجدان أ متنا”.
ومن أعظم الدروس التي تقدمها السيرة النبوية، الموازنة بين “مشقة الصيام” و”ثقل أعباء الرسالة”، فلم يكن رمضان في عهده صلى الله عليه وسلم شهر كسل أو نوم، بل كان شهر الانتصارات الكبرى، فقد حول النبي صلى الله عليه وسلم الجوع العضوي إلى طاقة روحية، وواجه تحديات جسام بعزيمة ثابتة استمدت قوتها من القرآن والتهجد، ليثبت للعالم أن الصيام هو وقود للعمل والإنتاج، وليس ذريعة للتراخي.
كما أن أيام رمضان في السيرة النبوية تنقضي بتتويج روحي في العشر الأواخر، حيث ليلة القدر المباركة، التي أنزل فيها القرآن، و التي تختزل الأعمار في لحظات نورانية، ثم يختتم الشهر بزكاة الفطر لتكون طهرة للصائم وط عمة للمسكين، في تلاحم بديع بين الروح والمادة، وبين الفرد والمجتمع.
التعليقات مغلقة.