الثلاثة الكبار في علم الاقتصاد…آدم سميث…كارل ماركس…جون ماينرد كينز

الانتفاضة // الاستاذ // لأحمد محمد سليم

مارك سكويسين :
اقتصادي محترف وخبير استثمار واستاذ جامعي ومؤلف أكثر من عشرين كتابا، ويشغل حاليا كرسي بنجامين فرانكلين للإدارة بجامعة غرانثام، قام بتدريس الاقتصاد والتمويل في كلية كولومبيا ٢٠٠٤-٢٠٠٥م وعمل سابقا كمحلل لدى Cia وكتب لصحف ومجلات وول ستريت جورنال وفوربس ومن افضل كتبه “تكوين الاقتصاد الحديث ،قوة التفكير الاقتصادي” وكرم لأعماله في الاقتصاد والتمويل والإدارة بأن قامت جامعة غرانثام بتغيير اسم كليتها في الأعمال إلى ” كلية مارك سكويسين للاعمال .

-تقديم الكتاب ومنهج الكاتب :
في القرون الثلاثة الماضية برز ثلاثة اقتصاديين كرموز لمداخل فلسفية اقتصادية مختلفة ،آدم سميث ابن التنوير الاسكتلندي الذي بسط نظاما للحرية الطبيعية وأوضح كيف تزدهر الأمم وترتقي بمعيشة مواطنيها واتي بعده في القرن التاسع عشر الفيلسوف الألماني كارل ماركس الذي جذب العمال والمثقفين الذين يشعرون بالاضطهاد من الرأسمالية الصناعية وبحث عن حلول للتفاوت والاغتراب وأخيرا في القرن العشرين ظهر الاقتصادي البريطاني جون ماينرد كينز الذي سعى لاستقرار السوق المعرضة للازمات من خلال سياسات حكومية نشطة، مالية ونقدية.
منهج الكاتب :
هذا كتاب في تاريخ الفكر الاقتصادي يعتمد منهج مختلفا ليس تقليديا يتعرض الكاتب لمن أسماهم بالثلاثة الكبار عارضا حياتهم وافكارهم الرئيسية مستكشفا العلاقة الجدلية وكيف انتهت صورتها دون أن يتعمق تفصيليا، والكاتب لا يدعي حيادا فكاتبنا بدا من مقدمته ينحاز بالكامل لمدرسة الحرية الاقتصادية ويضع ترتيبه على أساس مسطرة ايدلوجية، مسطرة الحرية الاقتصادية التي يتبناها حيث ينتمي للمدرسة النمساوية الاقتصادية والتي تمثل اليمين الرأسمالي في الفكر الاقتصادي حيث الإيمان المطلق بالسوق الحرة وهذا واضحا أيضا في تفسيره للازمات البادية للنظام الرأسمالي وواضح الفروق بينه وبين التيار الكينزي واسع الانتشار.
لكن الانتقاد الحقيقي الذي لمسته في الكتاب، لم يخرج على المركزية الانجلو ساكسونية إذ تم تصدير تاريخ الفكر الاقتصادي كما لو كان غرب أوربي – أمريكي فلا مساهمات شرقية أو روسية الا على سبيل الاستثناء.
ومن سبيل الحظ، اتابع د. محمد عادل ذكي مؤسس مدرسة الإسكندرية في الاقتصاد السياسي وقد كتب منشورا عميق وعلقت عليه وقتها بأنه لخص تاريخ علم الاقتصاد في سطور وكانت السطور هي كما يلي :
– ما الَّذي يريده هؤلاء الثوار في الميادين والمصانع والسَّاحات؟
– إنهم يريدون حقهم في القيمة الَّتي أنتجوها وذهبت إلى جيوب الرأسماليين والريعيين والمرابيين.
– ومَن الَّذى قال لهم مثل هذا الكلام الخطير الَّذي سيطيح بعروش أباطرة المال، ويقض مضاجع حكام الذهب والدم؟
– مَن قال لهم ذلك هو علم الاقتصاد السِّياسي.
– حسنًا! القيمة! فلنمسخ مفهوم القيمة؛ فلنقل لهم أن القيمة تُقاس بالمنفعة، وليس بعرق الشغيلة الأجراء! أما الاقتصاد السِّياسي، فلنفرغه من محتواه الاجتماعيّ. فلنخرب العلم! ولنجعل من الاقتصاد السِّياسي هذا علمًا معمليًّا. فلنحولنه إلى رموز ومعادلات وأحجبة وطلاسم، بل إلى ألغاز وأحاجي! فلنصرف الأنظار عن المحتوى الطبقيّ، والموضوع الثوريّ لهذا العلم! فلنجعله على أرْفُف التَّاريخ! ونستبدله بعلم، أو هكذا نقول للناس، آخر. يخلو من الوعي بمعنى الحياة والهدف منها. ولنسم ذلك (علم الاقتصاد)..
أولا : آدم سميث يعلن ثورة اقتصادية عام ١٧٧٦.
آدم سميث
آدم سميث (بالإنجليزية: Adam Smith)‏ (5 يونيو 1723 – 17 يوليو 1790) فيلسوف أخلاقي وعالم اقتصاد اسكتلندي. يُعدّ مؤسس علم الاقتصاد الكلاسيكي ومن رواد الاقتصاد السياسي. اشتهر بكتابيه الكلاسيكيين: “نظرية المشاعر الأخلاقية” (1759)، وكتاب “بحث في طبيعة ثروة الأمم وأسبابها” (1776). وهو رائعة آدم سميث ومن أهم آثاره، وهو أول عمل يتناول الاقتصاد الحديث وقد اشتهر اختصارًا، باسم “ثروة الأمم” .

أفكاره:
رغم أن سميث لم يضف في كتابه ثروة الأمم أفكارا ونظريات اقتصادية جديدة، إلا أن الأخير يبقى واحدا من أهم المؤلفات في الاقتصاد الحديث لكونه أول كتاب جامع وملخص لأهم الأفكار الاقتصادية للفلاسفة والاقتصاديين الذين سبقوه أمثال فرنسوا كيناي وجون لوك وديفيد هيوم.

ويعرف أيضا بنظرية اقتصادية تحمل اسمه، تقوم هذه النظرية على اعتبار أن كل أمة أو شعب يملك القدرة على إنتاج سلعة أو مادة خام بكلفة أقل بكثير من باقي الدول الأخرى، فإذا ما تبادلت الدول هذه السلع عم الرخاء بين الجميع، تقوم اتفاقية التجارة العالمية على كسر الحواجز أمام انتقال السلع لكن انتقال هذه السلع يتفاوت من حيث الإنتاج والاستهلاك بين دولة وأخرى وبالتالي هناك دول مستفيدة اقتصاديا أكثر بكثير من غيرها.

وأوضح آدم سميث ان جميع الدول ملزمة بالتبادل الحر وأكد على أن الدولة يجب أن لا تتردد في الشراء من الخارج كل سلعة يمكن أن ينتجها المنتج الأجنبي بكلفة أقل من المنتج المحلي، فالدولة التي تبيع سلعا بكلفة أقل من الدول الأخرى تملك امتيازا مطلقا لهده السلع. وبهذا فكل دولة يجب أن تختص في إنتاج السلعة التي تمتلك فيها امتيازا مطلقا وتشتري السلع الأخرى.

وبتحليله هذا فقد استثنى آدم سميث الدول التي لا تمتلك امتيازا مطلقا من التبادل التجاري العالمي وهذا ما جعل دافيد ريكاردو من وضع نظرية أكثر تفاؤلا من آدم سميث والتي أسماها نظرية الامتياز النسبي والتي لا تستثني أي دولة من التبادل الحر.

فلسفته:
تقوم هذه الفلسفة على الاعتقاد في سلامة وكفاءة النظام الطبيعي، وأفضلية هذا النظام على أي نظام صناعي آخر. ونجد تفسيرًا أوضح لهذه النقطة، في كتابه الأول نظرية المشاعر الأخلاقية (1759)، فعنده أن السلوك الإنساني يخضع لستة بواعث: حب الذات، التعاطف، الرغبة في الحرية، الإحساس بالملكية، عادة العمل، والميل للمبادلة. واستخلص سميث من ذلك أن الفرد هو أفضل حكم على تقرير مصلحته الخاصة، ويجب بالتالي تركه حرًا في سلوكه. وقد أدى اعتقاد سميث في وجود نظام طبيعي إلى القول بأن هذا النظام من شأنه أن يحقق التوافق والانسجام بين المصالح الخاصة للأفراد مبينة وفقًا للبواعث المتقدمة وبين المصلحة العامة. وهذه هي فكرة “اليد الخفية” التي تعني أن الأفراد في سعيهم لتحقيق صالحهم الخاص يحققون -بدون أن يشعروا – المصلحة العامة.

وبناءً على ما سلف، فإن الأساس النظري لفكر آدم سميث هو دور المصلحة الخاصة والدافع الشخصي؛ فقد كان يرى أن الدافع الشخصي هو أكبر ضمان للصالح العام؛ فالدافع الشخصي في رأيه هو مجرد وسيلة أو أداة، والصالح العام هو دائمًا الغاية والهدف. وهناك عبارتان مشهورتان لآدم سميث في هذا الصدد. يقول في الأولى:

«ليس بفضل وكرم الجزار أو صانع الجعة أو الخباز ما يسمح لنا بتوفير الطعام لعيشنا، بقدر ما يرجع ذلك إلى نظرتهم إلى مصالحهم الخاصة. وعندما نطلب خدماتهم، فإننا لا نتوسل إلى إنسانيتهم بقدر ما نستحث مصالحهم الشخصية؛ فلا أحد سوى الشحاذ الذي يمكن أن يعتمد في حياته على أفضال الآخرين»
. أما العبارة الأخرى الأخرى الشهيرة؛ فإنه يقول فيها عن الفرد وهو يسعى لتحقيق مصالحه الشخصية بأنه:
«بسعيه لتحقيق مصالحه الخاصة فهو غالبًا ما يحقق مصالح الجماعة بشكل أكثر فاعلية مما يمكن تحقيقه عندما يعمل باسم المصلحة العامة؛ فأنا (سميث) لم أصادف خيرًا من وراء هؤلاء الذين يعلنون العمل من أجل المصلحة العامة.»

ثانيا : ماركس يقود ثورة على الرأسمالية

كارل هانريش ماركس«وُلد في ترير في 5 مايو 1818 – وتوفي في 14 مارس 1883»فيلسوفٌ ألماني وناقدٌ للاقتصاد السياسي ومؤرخ وعالم اجتماعٍ ومنظرٌ سياسي وصحفي وثوري اشتراكي؛ درس القانون والفلسفة في جامعتي بون وبرلين، تزوج عام 1843 من الناقدة المسرحية والناشطة السياسية الألمانية جيني فون ويستفالين. وبسبب منشوراته السياسية فقد نُزعت الجنسية عنه وأصبح عديماً لها لعقود أثناء عيشه في لندن مع زوجته وأطفاله، خلال حياته طوّر أفكاره بالتعاون مع صديقه فريدرك إنجلز. كتاباته الأشهر هي البيان الشيوعي ورأس المال بأجزائه الثلاثة. كان لفكره السياسي والفلسفي تأثير هائل على التاريخ الفكري والاقتصادي العالمي واستُخدم اسمه للتعبير عن مدرسةٍ فكرية كثيرة التطورات وهي المدرسة الماركسية” .

كان أهم أعمال ماركس في نقد الاقتصاد السياسي هو (رأس المال: نقد للاقتصاد السياسي)، وجاء في ثلاثة مجلدات، لم يُنشَر منها في حياته سوى الأول (1867)، ونشر البقية فردريك إنغلز من دفاتر ماركس. شُمل كتاب نقد الاقتصاد السياسي، وهو من أعمال ماركس الأولى، في كتابه رأس المال، لا سيما في بداية المجلد الأول. نُشرت ملحوظات ماركس التي كتبها تجهيزًا لكتابة رأس المال عام 1939، تحت عنوان مساهمة في نقد الاقتصاد السياسي.

نقد ماركس للمدرسة الكلاسيكية:

بدأ نقد ماركس للاقتصاد السياسي بأعمال أشهر اقتصاديي عصره، البريطاني آدم سميث، الفيلسوف الأخلاقي ثم الاقتصادي، وكذلك ديفيد ريكاردو.

في كتاب سميث ثروة الأمم، قال إن أهم صفة في اقتصاد السوق هو أنه يتيح النموّ السريع للقدرات الإنتاجية. ادعى سميث أن نمو السوق يستدعي نموًّا في «تقسيم العمل» (أي التخصص في المشاريع وبين العمال)، وهو ما يؤدي بدوره إلى نمو الإنتاجية. ولئن كان سميث لم يقل كثيرًا عن العمّال، فإنه أشار أن ازدياد تقسيم العمل قد يضرّ الذين تضيق مجالات عملهم شيئًا فشيئًا مع ازدياد تقسيم العمل. رأى سميث أن الاقتصاد الحر يصحح نفسه من نفسه مع الوقت.

فصّل ماركس أيضًا فكرة أن العمال قد يتأذّون من نمو الإنتاجية في الرأسمالية. وعلّق ماركس في نظريات فائض القيمة: «نرى التقدم الكبير الذي أحرزه آدم سميث على الفلاسفة الطبيعيين في تحليل فائض القيمة ورأس المال. يرى هؤلاء الفلاسفة أن نوعًا واحدًا مخصوصًا من العمل -هو العمل الاقتصادي- هو القادر على إنشاء فائض قيمة وحده… ولكن آدم سميث يرى أن العمل الاجتماعي العام – مهما كانت قيمة استخدامه الظاهرة – بمقاديره الضرورية، هو الذي ينتج قيمة. فائض القيمة، سواء أكان ربحًا أم أجرًا أم نوعًا ثانويًّا من الفائدة، ليس إلا جزءًا من هذا العمل، استولى عليه أصحاب الظروف المادية للعمل مقابل أجر المعيشة».

استفزّ ادعاء مالثوس في مقالته عن مبدأ السكان (1798) أن نمو السكان هو السبب الأول لأجور الكفاف، استفزّ ماركس إلى تطوير نظرية بديلة في تحديد الأجور. ولئن كان مالثوس قدم نظرية تاريخية عن نمو السكان، فإن ماركس قدم نظرية تشرح كيف أن فائض السكان النسبي في الرأسمالية يدفع الأجور إلى مستوى الكفاف. رأى ماركس أن هذا الفائض النسبي آتٍ من أسباب اقتصادية لا بيولوجية (خلافًا لمالثوس). تسمّى هذه النظرية الاقتصادية لفائض السكان عادةً، نظرية ماركس عن جيش العمال الاحتياطي.

طوّر ريكاردو نظرية توزيع في الرأسمالية، أي نظرية توزيع مخرجات المجتمع على الطبقات فيه. أنضَج صِيَغ هذه النظرية مقدَّم في كتابه عن مبادئ الاقتصاد السياسي والضرائب (1817)، إذ اعتمد على نظرية العمل في القيمة التي ترى أن قيمة أي منتج مساوية للعمل الذي يجسّده، وهي نظرية قدّم سميث شيئًا شبيهًا به، ولكنه لم يبيّنه تمامًا. من البارز في نظرية ريكاردو الاقتصادية أن الربح مأخوذ عنده من مخرجات المجتمع، وأن الأرباح والأجور مرتبطة عكسيًّا: كلما زاد الربح فهو على حساب تخفيض الأجور. بنى ماركس كثيرًا من تحليله الاقتصادي الرسمي الموجود في كتابه رأس المال على نظرية ريكاردو الاقتصادية.

فلسفته:
إن التفاعلات التي عرفها الواقع الاقتصادي والتيارات الفكرية في ق 19 هي التي ساهمت في بناء أهم أفكار كارل ماركس وتأثرت بها فلسفته فعن هيجل اخذ الدياليكتيك وعن الكلاسيكيين أخذ نظرية القيمة المتجسدة في العمل وتتلخص أهم أفكاره في تنبئه بزوال النظام الرأسمالي وحلول الاشتراكية ثم الشيوعية كمرحلة نهائية في تاريخ البشرية ويمكن تلخيص أفكاره الاقتصادية في النقط الأساسية التالية :

1. نظرية القيمة : يرى كارل ماركس أن قيمة سلعة ما تقاس بالعمل الذي تضمنته تلك السلعة أي بعدد الساعات التي استغرقها تحويل إنتاجها، أي أن هذه القيمة تقاس بالزمن الاجتماعي لا بالزمن الذي يقضيه العامل المتوسط لإنتاج المادة. إن كل المواد كيفما كانت ماهي إلا مجرد تراكم للعمل البشري الذي يعتبر أساس الإنتاج.

2. نظرية فائض القيمة : يشتغل العمال عند رب العمل ويمنحهم اقل اجر يساوي الحد الأدنى للمعيشة وينتجون له مواد تساوي قيمتها مقدار العمل المتراكم اللازم لصناعة المادة نفسها كما هو مبين في نظرية القيمة وبهذا يحصل صاحب راس المال على الفارق الموجود بين قيمة المادة أي العمل وقيمة الأجر وهو ما يسمى بفائض القيمة.

3. نظرية التراكم : يستعمل أصحاب رؤوس الأموال من تكديس أموال فائض القيمة في الاستثمار لشراء الرأسمال الجديد ويقسم ماركس الرأسمال إلى قسمين :

* الرأسمال الثابت : الآلات والمواد الأولية.

* الرأسمال المتغير: (هو الذي تدفع منه الأجور)ويرى ماركس أن الرأسمال المتغير هو مصدر فائض القيمة.

4. نظرية التركيز : يستولي الرأسماليون بتوسيع معاملهم على الأسواق على حساب صغار المنتجين مما يضطرهم إلى الانسحاب من دورة الإنتاج فيصبحون بدورهم بروليتاريين مما يزيد في تعاسة جيش العمال وتركيز الرأسمال في يد الأقلية.

5. نظرية التفقير : ينخفض مستوى معيشة العمال في حين ترتفع ارباح أصحاب رؤوس الأموال باستمرار ويترتب عن ذلك انخفاض في مستوى الأجور داخل مجموع المداخيل في حين أن نسبة الأرباح في تزايد مستمر.

6. نظرية الأزمات : ينقص ويتراجع طلب المستهلكين نتيجة لتفقير الطبقة العاملة العريضة فينعدم التوازن بين العرض العام والطلب العام فتتراكم المخزونات ويترتب عنها إقفال المعامل وتشرد العاطلين فتتوالى الأزمات إلى أن تصل الرأسمالية إلى أزمة كبرى تطيح بها وهذه حتمية موضوعية إلا انه يشترط على الطبقة العاملة أن تنظم صفوفها وان تتسلح بالإيديولوجية العلمية.

الانتقادات:

بعض الأحداث ناقضت نظريات كارل ماركس خصوصا تقلص نسبة الأجور في الدخل القومي ونظرية تفقير الطبقة العاملة وذلك أن النظام الرأسمالي تحول وارتكز على بعض الأسس الجديدة مثل إستعمار بلاد بعينها تكون مصدر للخامات بأقل من قيمتها وبلاد أخرى فرض عليها أن تكون سوقا إستهلاكيا مفتوحا لمنتجاته بأغلي من تكلفة صناعتها وهو ما سمح جزئيا بتقليل ضغط إستغلال أصحاب رأس المال لمجهود الطبقة العامله المحلية المباشرة في بلدانهم، وهكذا وجدت بعد نهاية عصر الإستعمار والإحتلال المباشر أولا إتفاقيات التجارة الحرة لفرض فتح الأسواق الإستهلاكيه للمنتجات الرأسمالية ثم ثانيا ظهرت موجة نزوح للمصانع الرأسمالية إلي البلدان الأقل تطورا إجتماعيا والتي لازال ممكنا للرأسمالية إستغلال مجهود العامل بأقل راتب ممكن.
ثالثاً :جون ماينرد كينز.. الرأسمالية تواجه تحديها الاعظم.
جون مينارد كينز أو بارون كينز الأول«5 جزيران/يونيو 1883 – 21 نيسان/أبريل 1946» اقتصادي إنجليزي ساهمت أفكاره في إحداثِ تغييرٍ جذري في نظرية وممارسة الاقتصاد الكلي؛ عُرف كينز بأنّه مُنقذ الفردية الرأسمالية من انتشار البطالة نتيجة إيمانه بأنّ عدم معالجة هذه المُشكلة سيؤدي لتحكم الأنظمة الاستبدادية في العالم الغربي. كانت الرياضيات مادته المفضلة، حيث لعبت دوراً أساسياً في صقل مهاراته والتأسيس لأعماله فيما بعد،بالإضافة إلى تميزه في الأدب الكلاسيكي والتاريخ.يُعتبر جون مينارد كينز أحد أكثر الاقتصاديين نفوذاً في القرن العشرين،وهو باني اللّبنة الأساسية لمدرسةٍ اقتصادية كثيرة التفرعات عُرفت فيما بعد بالاقتصاد الكينزي.”ويكيبيديا”

قاد كينز ثورةً في التفكير الاقتصادي في أثناء فترة الكساد الكبير التي تحدى فيها أفكار الاقتصاد الكلاسيكي الجديد المعتمد على التأكيدات بأن السوق الحر سيوفر تلقائياً كل ما يحتاجه الاقتصاد من العمالة بشرط مرونة العُمال في طلب أجورهم. جادل كينز في الفكرة القائلة بأنّ إجمالي الطلب (إجمالي الإنفاق في الاقتصاد) هو المُحدد الأساسي للنشاط الاقتصادي، ورأى أن الطلب الكلي غير المُلائم سيؤدي لفتراتٍ طويلةٍ تتسم بنسبة بطالةٍ مُرتفعةٍ مما سيؤدي لتخفيض أُجور العُمال ممّا يعني أنّ الاقتصاد لن ينتعش بشكلٍ تلقائي مع أسلوب التوظيف للسوق الحُرّة. عليه دعا كينز إلى استخدام السياسات المالية والنقدية للتخفيف من الأثر الكبير للركود الاقتصادي، وفصَّل أفكاره كلها في مؤلفه الأهم الذي نُشر عام 1936 النظرية العامة للتوظيف والفائدة والنقد.بدأت الاقتصادات الغربية في تبني توصيات كينز في أواخر الثلاثينيات من القرن العشرين وبحلول العقدين التاليين كانت الحكومات الرأسمالية كلها تقريباً قد تبنت توصياته.

تسببّ الركود التضخمي في الاقتصادين البريطاني والأمريكي مع حلول السبعينات من القرن العشرين بانهيار جزئي في أفكار كينز إضافة إلى تعالي الانتقادات لتوصياته من قبل اقتصاديين مثل ميلتون فريدمان وغيره ممّن جادلوا في قدرة التدخل الحكومي على تنظيم دورةِ الأعمال بشكلٍ إيجابي من خلالِ سياستها المالية، ومع ذلك فقد عادت سياسات الاقتصاد الكينزي للظهور مع الأزمة المالية العالمية عام 2008 حيث شكلت توصيات كينز الأساس النظري للخطوات التي قام بها الرئيس الأمريكي باراك أوباما ورئيس وزراء بريطانيا جوردن براون ورؤساء حكومات آخرين لإخراج العالم من أزمته حينها.

أدرجت مجلة تايم في عام 1999 كينز ضمن أهم شخصيات القرن العشرين واعتبرت أن «فكرته الراديكالية بأن الحكومات يجب أن تنفق أموالاً لا تمتلكها ربما تكون قد أنقذت الرأسمالية». واعتبرت مجلة ذي إيكونوميست كينز «أشهر اقتصاديي بريطانيا في القرن العشرين». إضافةً إلى كونه خبيراً اقتصادياً فقد كان كينز موظفاً حكومياً أيضاً ومديراً لمصرف انجلترا وعضواً في مجموعة بلومزبري للمثقفين.

الانتقادات:

في عام 1931 انتقد فريدرش هايك رسالة كينز في النقود التي نُشرت عام 1930، وبعد قراءة كتاب هايك الطريق إلى العبودية كتب كينز لهايك«أجد نفسي مُتفقاً أخلاقياً وفلسفياً مع كل هذا تقريباً»، لكنه أنهى الخطاب: «وبالتالي فإن ما نحتاجه في رأيي ليس تغييراً في برامجنا الاقتصادية فهذ لن يؤدي في الممارسة العملية إلاّ إلى خيبة الأمل من نتائج فلسفتك؛ بل ربما نحتاج العكس أي توسيع السياسة الحالية. الخطر الأكبر بالنسبة لك هو الفشل العملي المحتمل لتطبيق فلسفتك في الولايات المتحدة.» القضية الأكثر أهمية في ذلك الوقت هي الفكرة القائلة أنّ إنفاق الدولة في حالة العجز يمكن أن يُخرج بلداً من الكساد، وقد ردّ كينز على انتقادات هايك:«يجب أن أختتم بشكل مختلف إلى حد ما. يجب أن أقول إن ما نريده ليس عدم وجود تخطيط أو حتى تخطيط أقل، في الواقع يجب أن أقول إننا نريد بالتأكيد هو المزيد. لكن يجب أن يُحطط هذا في مجتمع يشارك فيه أكبر عدد ممكن من الأشخاص، تخطيط يشارك فيه القادة والأتباع. سيكون التخطيط المعتدل آمناً بدرجة كافية إذا كان من ينفذونه موجهين أخلاقياً بشكل صحيح.»

هايك أجاب عن سؤالٍ متعلق باتفاق كينز الأخلاقي والفلسفي مع آراءه في كتاب الطريق إلى العبودية قائلاً:«لأنه كان يعتقد أنه لا يزال في الأساس ليبرالياً إنكليزياً كلاسيكياً ولم يكن مدركاً تماماً للمدى الذي ابتعد فيه عن هذه الأفكار. كانت أفكاره الأساسية لا تزال أفكار الحرية الفردية. لم يفكر بشكل منهجي بما يكفي لرؤية الصراعات. كان -بمعنىً ما- فاسدًا بسبب الضرورة السياسية.» شعر هايك أن الأرثوذكسية الكينزية أعطت الكثير للدولة مقابل سلب الأشخاص وبذلك ستؤدي إلى الإشتراكية.

وصف ميلتون فريدمان النظرية العامة بأنّها “كتاب عظيم” لكنه جادل بفكرة الفصل الضمني بين المقادير الاسمية والأحجام الحقيقية واعتبر هذا شيئاً غير مرحّبٍ به، رأى فريدمان أن سياسة الاقتصاد الكلي تؤثر بشكل مؤكد على النواحي الاسمية فقط وبهذا اعتبر مع عدد من الاقتصاديين أنّ الاقتصاد الكينزي يمكن أن يؤدي لتضخم مصحوبٍ بركودٍ مُكوناً مزيجاً من النمو المُنخفض والتضخم المُرتفع وهذا ما عانته الاقتصادات المتقدمة في أوائل السبعينات. العمل الأكثر تأثيراً بفريدمان كان “مسلك على الإصلاح النقدي” (بالإنجليزية: Tract on Monetary Reform)‏ والذي اعتبره أفضل أعمال كينز لتركيزه على الاستقرار في الأسعار المحلية.

كان جوزيف شومبيتر خبيراً اقتصادياً في عمر كينز نفسه وأحد منافسيه الرئيسيين ومن بين المراجعين الأوائل الذين جادلوا بأن نظرية كينز العامة لم تكن نظرية عامة بل هي حالة خاصة. وأن العمل يعبر عن “موقف الحضارة المتعفنة”. بعد وفاة كينز كتب شومبيتر مقالاً مُختصراً عن سيرة كينز الاقتصادي. بشكلٍ عام كان إيجابياً للغاية بشأن كينز كرجل حيث أشاد بلطفه وطبيعته الودودة وقيّم بعض السير الذاتية التي كُتبت عن كينز مُعتبراً إياها أفضل ما رآه على الإطلاق لكنه ظلّ مُتمسكاً بانتقاد السياسات الكينزية في الاقتصاد وربط عدم إنجاب كينز للأطفال بالنظرة قصيرة المدى التي كان يمتلكها. واعتبر كينز مالكاً لوطنيةٍ لا واعيةٍ تسببت في عدم فهمه لمشاكل الدول الأُخرى. بالنسبة لشومبيتر فإن «الكينزية العملية هي نبتة لا يمكن زرعها في تربة غير إنكليزية: تموت هناك وتصبح سامة عند موتها.»كان شومبيتر مُعجباً بكينز وحاسداً له، لكنه بعد موته عام 1946 تعامل مع أفكار كينز تعاملاً روتينياً بوصفها «علاج روتيني دون مفتاح» وهذه المعاملة نفسها لاحقاً لآدم سميث في كتابه تاريخ التحليل الاقتصادي حيث اعتبر أفكارهم لا تملك مصداقية ولا إضافة ولا ابتكاراً واحداً في تحليل التقانات الاقتصادية.

كان الرئيس هاري ترومان متشككاً في التنظير الكينزي. بدا ذلك واضحاً عندما أخبر ليون كيزرلينج كبير مستشاريه الاقتصاديين وهو كينزي الفكر: «لا أحد يستطيع أن يقنعني أبداً أن الحكومة تستطيع إنفاق دولار لم تحصل عليه».

رابعاً :نقطة تحول في علم اقتصاد القرن العشرين.

خلق عاملان الجو المناسب لاكتساح الثورة الكينزية للاكاديمية الاقتصادية بعد الحرب العالمية الثانية :
الأول: طول وعمق الكساد الكبير الذي كان مبررا للكنزية الماركسية التي ترى أن الرأسمالية غير مستقرة بطبيعتها.
الثاني :الحرب العالمية الثانية شهادة لوصفات كينز في السياسة الاقتصادية فقد ازداد الإنفاق الحكومي والتمويل بالعجز بينما اختفت البطالة وارتفع الناتج الاقتصادي.

خامسا :الخلاصة : هل انتصر سميث على ماركس وكينز ؟
واجه بحث قدمه “ميلتون فريدمان” إن رأسمالية المؤسسات الحرة غير مستقرة بطبيعتها ويمكن ان تعلق عند مستوى أقل من العمالة الكاملة لأجل غير محدود ما لم تتدخل الحكومة لزيادة الطلب الفعال وتعيد له حيويته، فالأمر كما يوضحه” توبين” إن اليد الخفية” لآدم سميث” تحتاج اليد الظاهرة “لكينز” ويصل فريدمان الي أن الكساد الكبير كغيره كان نتاج لسوء إدارة الحكومة بأكثر مما هو نتيجة لعدم استقرار متأصل في الاقتصاد الخاص.

ويخلص الكاتب ، أن التحديات من قبل ماركس وكينز واتباعهما كانت لها آثار إيجابية فقد دفعت اقتصاديي السوق للرد على انتقادتهم وتحسين النموذج الكلاسيكي الذي أبدعه سميث فاليوم السوق النيوكلاسيكي أقوى وتطبيقاته منتشرة في كل مكان، وكما كتب “ميلتون فريدمان “الحرية زهرة نادرة وحساسة “وان لم يبق اقتصاديو السوق يقظين فإن الحرية الطبيعية والرخاء العالمي سيكونان في موقف الدفاع مرة أخرى.

التعليقات مغلقة.