أشغال المنتدى البرلماني الثامن حول للعدالة الاجتماعية : “كلمة آمنة بوعياش رئيسة المجلس الوطني لحقوق الإنسان”

السيد رئيس مجلس المستشارين

السيد وزير الإدماج الاقتصادي، والمقاولة الصغرى والتشغيل والكفاءات

السيد  رئيس المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي

السيد الوزير المنتدب المكلف بالعلاقات مع البرلمان الناطق الرسمي باسم الحكومة

السيدات والسادة الضيوف

 الحضور الكريم كل باسمه وصفته

أود في البداية ان أتقدم بالشكر للمنظمين على دعوة المجلس الوطني لحقوق الانسان ونلتقي مجددا، في إطار المنتدى الدولي الثامن للعدالة الاجتماعية، التي نهنئكم على احترام دوريته وتخصيص هذه الدورة لإشكالية، تثير تساؤلات من حيث اعمالها ومجهودات لبلورة حلول تهم الحق في العمل اللائق، باعتباره الهدف الثامن من أهداف خطة التنمية المستدامة، والذي يبدو اليوم، أهم انشغالات المتدخلين على كل الأصعدة، في ظل عالم تباطأت فيه مؤشرات النمو بشكل متواصل ومضطرد.

ويشير مفهوم “العمل اللائق” إلى العمل الذي يوفر فرصًا عادلة ومناسبة للعيش الكريم، مع احترام حقوق العمال وضمان الظروف الآمنة والصحية في مكان العمل كما يضمن الحصول على أجور ، هو إذن  بمثابة مُحرك التنمية المستدامة، والعامل الأساسي في بلورة استراتيجيتها، فتوفير المزيد من الوظائف اللائقة، يساهم في تحقيق النمو الاقتصادي الكفيل بالتخفيف من مؤشرات الفقر وترجح كفة النمو الاقتصادي أکثر لصالح الفئات في وضعية هشاشة؛ ويقوي قُدرتهم في الوصول إلى وظائف مناسبة وامكانية الحماية الاجتماعية والحماية ضد التمييز وسوء المعاملة.

ولا بد من التأكيد على أن الحماية الاجتماعية والعمل اللائق ترتبطان بشكل وثيق. بما فيها السلامة، والتأمين على البطالة، والتقاعد والرعاية الصحية، والحماية ضد المخاطر المالية. وتعزيز الظروف المناسبة للعمل اللائق وضمان توفير الحقوق الأساسية لكافة الفئات العاملة، وينعكس هذا الترابط على مؤشرات تنمية أي بلد.

فأين سوق العمل الوطني من احترام معايير العمل اللائق؟

يتميز سوق الشغل الوطني، السيدات والسادة، بهيمنة العمالة غير المهيكلة، وهي عمالة هشة وذات دخل محدود وتتميز بتفاوتات كبيرة على مستوى عدد ساعات العمل والأجور والإنتاجية. وتؤكد البيانات الرسمية أن العاملين في القطاع غير المهيكل يشتغلون 145 ساعة أكثر في المتوسط السنوي من نظرائهم في القطاعات المهيكلة والمنظمة، بينما يحصلون على أجر متوسط أقل بخمسة أضعاف.

ويطرح هذا الوضع تحديا حقيقيا، حيث يمنع فئات عريضة من المواطنين من التمتع بحقهم في عمل لائق، يحفظ كرامتهم، وخاصة النساء والشباب إضافة الى فئات واسعة من المهاجرين الذين يعانون من هشاشة متعددة الأبعاد.

أما النساء، فلا يزال معدل تشغيلهن ضعيفا في بلادنا، إذ يصل إلى 29,7 في المائة فقط على المستوى الوطني. كما أن نسبة العمالة النسوية غير المهيكلة ارتفعت لتصل إلى 67.6 في المائة من إجمالي العمالة النسوية. وتحضر النساء بشكل أكبر في مجالات الفلاحة والصيد البحري والخدمات التجارية، وهي القطاعات ذات القيمة المضافة الضعيفة، والأجور المنخفضة. أما فرص العمل الموجهة لفئة الشباب بدورها قليلة وغير قادرة على امتصاص البطالة في صفوف هذه الفئة وغير ملائمة  

ورغم الجهود التي بذلتها بلادنا خلال عقدين من الزمن، والسنوات الأخيرة، لتطوير النشاط الاقتصادي وتنويعه وجذب الاستثمار الخاص لخلق مزيد من فرص العمل، إلا أنها لم تساهم في سيادة العمل اللائق، وتقليص حجم الاقتصاد غير المهيكل. فإذن، تحقيق فعلية العمل اللائق، يتطلب، إدماجه كعنصر محدد للتنمية، وأحد معايير السياسة العمومية   وذلك من خلال توفير الضمانات القانونية أولا، والاجتماعية التي تحمي حقوق العمال وتعزز العمل اللائق، وتوفير الشروط الاقتصادية والاجتماعية الضرورية لمكافحة كافة أشكال التمييز المرتبطة بالنوع الاجتماعي، وتحقيق العدالة الاجتماعية والمجالية. وضرورة وضع تدابير داعمة لتوفير فرص التدريب والتأهيل المهني لتحسين فرص توفير العمل اللائق.

وسجل تقرير سنة 2023، الحضور الكريم، الخاص بتتبع تنفيذ أجندة 2030 للتنمية المستدامة والمعنون “تقرير التنمية المستدامة 2023: تنفيذ تحفيز أهداف التنمية المستدامة”، تراجع المغرب على مستوى الهدف الثامن المتعلق بتوفير العمل اللائق والنمو الاقتصادي؛ وخصوصا فيما يتعلق بخفض معدل البطالة وحماية حقوق العمل الأساسية. ويرجع التقرير هذا التراجع إلى عوامل، تعتبر كلها خارجية مؤثرة ولم تتمكن الدول متوسطة الدخل على مجابهتها.

وسواء تعلق الأمر بالنساء أو بالشباب، فغياب ظروف عمل لائقة أو انعدام فرص عمل لهم يعد تحديا اقتصاديا واجتماعيا. كما تؤكد التقارير الدولية في مجال حقوق الإنسان على ذلك، حيث تربط أهمية إدماج هذه الفئتين في الدينامية الاقتصادية لدورها في دعم الاستقرار الاجتماعي والتنمية المستدامة.

إن توفير العمل اللائق هو أيضا النهوض بالرأسمال البشري، وجعله رافعة للعدالة الاجتماعية، لأنه ليس مجرد شعار ظرفي تقتضيه متطلبات مرحلة معينة، بل هو خيار استراتيجي يفرض على السلطات العمومية إعادة ترتيب أولوياتها في اتجاه التركيز على بناء الانسان وتقليص التفاوتات، وهو ما يتطلب رصد اعتمادات مالية ضخمة لأوراش إصلاح وتأهيل قطاعات الاستثمار في الرأسمال البشري وعلى رأسها التعليم والصحة والتسريع بتفعيل الحماية الاجتماعية بمكوناتها الأربعة. 

إن توفير العمل اللائق هو بناء الرأسمال البشري، السيدات والسادة، باعتباره أحد رهانات العدالة الاجتماعية، والذي يتأسس بالضرورة على صيانة الكرامة الإنسانية، والتي ليست مقولة فلسفية مجردة، بل تحيل على دفتر تحملات حقوقي شامل ومتكامل وغير قابل للتجزئة.

باسم المجلس الوطني لحقوق الإنسان ستكون منتبهين للحوار والنقاش والتوصيات، لما يمكن أن يطور اقتراحاتنا وانكبابنا على السياسة العمومية ومؤشرات تفعيل الهدف الثامن لأهداف التنمية المستدامة.

التعليقات مغلقة.