سوس…منبع الافتاء والسياسة والقضاء

الانتفاضة // محمد المتوكل

لا شك ان منطقة سوس كانت منبع العلم والعلماء والفقه والفقهاء والسياسة والسياسيين والفكر والمفكرين والقران الكريم والقرانيين الذين كانت تصدح حناجرهم بكتاب الله تعالى وبسنة النبي العدنان، وكانت مشتلا يفرخ الجهابذة والفطاحلة والعباقرة والمتمكنين في كل الفنون العلمية والفكرية، وكانت معقلا للدهاة في السياسة والقانون وكل فنون الحياة، فلا يختلف اثنان ولا يتناطح عنزان كون منطقة سوس اثرت الخريطة المغربية بكل ما من شانه ان يكون في خدمة البلاد والعباد، ولا غرو ان المغرب قد استفاد من هؤلاء الذين ملؤوا الدنيا علما وتعلما، بل وذاع صيتهم خارج الافاق ووصل الى ما وراء البحار.

وفي هذا السياق عرفت سوس، على غرار باقي الجهات، بالعائلات العريقة التي برزت في مجالات مختلفة، سواء علمية أو دينية أو تجارية، لاسيما بمنطقة تيزنيت وتافراوت…وظهرت أسر توارث أبناؤها اهتمامات آبائهم وساروا على منوالهم، ليبرز أبناء الأسرة الواحدة ويشربوا من نفس العين التي شرب منها أسلافهم، لاسيما في المجال الديني والعلمي.

أسرة “أعمو” إحدى هذه الأسر، التي نهل أفرادها من بحر العلم، واعتبرت من الأسر العلمية والفلاحية بتيزنيت، تربى أبناؤها في وسط ثقافي وعلمي وديني وتأثروا باهتمام الآباء بمجالات كعلوم الشرع والقانون والقضاء…فاكتسبوا سلطة وجاها ورثه الخلف عن السلف، فتجسد ذلك في المحامي عبد اللطيف أعمو الذي لم يغير جلباب والده، وسار على نفس النهج ليصبح محاميا ورجل قانون بدوره وأصبح نقيبا للمحامين  بالدائرة القضائية أكادير والعيون.

لأسرة “أعمو” صيت واسع، نالها من القاضي (الأب) الذي تجاوزت شهرته منطقة سوس، فالقاضي أحمد بن أحمد أعمو من العلماء والقضاة الذين تركوا بصماتهم في مجال العلم. عاش يتيما، بعدما توفي والده قبل ولادته، لذلك سمي باسم والده. ينتمي للشرفاء السملاليين فهو من بني عمومة آيت عمرو الوجانيين وأولاد سيدي بن علي التنانيين، أما والدته فهي من أسرة الماسيني الباعقيلي.

كان اهتمام “أعمو” القاضي منذ صغره بالعلوم، حفظ القرآن ونهل من الكتب المختلفة من علوم الشرع والمنطق والبيان..وتلقى التعليم جميع الفنون في مدارس سوس، قبل أن يلتحق بالقرويين بفاس، وعاد إلى تيزنيت ليفتح مدرسة علمية في جامعها الكبير، درس بها إلى جانب علماء آخرين وعمل أيضا ناظرا لأحباس تيزنيت، بكل نزاهة وعفاف، وبعد الاستقلال تقلد منصب قاضي إلى حين تقاعده.

وحرص القاضي والفقيه أحمد أعمو على توجيه أبنائه إلى التكوين الأصيل والعصري معا، ليحصلوا على شواهد في القانون والطب.

وعلى غرار ما يحدث بباقي الأسر السوسية العتيقة، حمل “عبد اللطيف أعمو”، الإبن، المشعل ليصبح أشهر محام وسياسي، ليس فقط في المنطقة ولكن على المستوى الوطني، ويسسير على خطا والده.

نشأ المحامي “عبد اللطيفط” داخل بيت قضائي، فأسرته معروفة  بممارسة الفقه والفلاحة، استقرت بتيزنيت، وعرفت بين أهل المنطقة بخصال جمع الشمل والصلح بين الناس والدعوة للخير، هناك ترعرع في وسط روحي داخل أسرة تعيش وفق توازنات روحية، وعلى نفس مسار والده، تلقى “عبد اللطيف” وإخوته تعليمهم في المسيد، ثم التعليم الفقهي بتارودانت وتيزنيت.

ورث المحامي عن والده اهتمامه بالثقافة الأمازيغية وحب المطالعة والعمل الجمعوي، حصل عل إجازة في الحقوق بالمغرب، وانتقل إلى فرنسا لتحضير شهادة عليا في قانون الأعمال، قبل أن يلتحق بهيئة المحامين بأكادير سنة 1974، ويصبح نقيبا، كما تمكن المحامي أوعمو من أن يصبح رئيسا بلدية تيزنيت وبرلمانيا عن الإقليم.

طموح المحامي الشاب لم يتوقف، فهو ابن القاضي والفقيه الحازم، ورث عنه الفطنة والذكاء، وتمكن من أن ينتخب نقيبا للمحامين بهيئة أكادير  وأن يصبح عضوا بجمعية هيئات المحامين بالمغرب، بجانب عضويته بالاتحاد الدولي للمحامين وجمعية هيئات المحامين الدولية.

اهتمام “عبد اللطيف أعمو” بالجانب الحقوقي تولد لديه منذ ريعان شبابه، لقناعته بضرورة احترام حقوق الأفراد والجماعات على قاعدة القيم الإنسانية، ولتجسيد تلك المبادئ على أرض الواقع، انخرط في حزب التقدم والاشتراكية بتيزنيت، كما خاض تجربة التمثيلية البرلمانية بمجلس المستشارين.

أسرة “أعمو” توارثت حب العلم والقانون والمطالعة، بل وذكر اسم القاضي والفقيه أعمو في مؤلفات عديدة أهمها “المعسول” للمختار السوسي، فهي أسرة جمعت بين العلم والعمل، وكما حمل القاضي أعمو أعباء شؤون الجماعة في بلدته بتيزنيت، سار ابنه المحامي على نفس النهج وخاض تجربة التسيير لمدة من موقع رئيس للجماعة وعضوا بالجهة، تجربة أضافت رصيدا سياسيا إلى الجانب الحقوقي والقانوني.

هي منطقة سوس اذن تلك البقعة الجغرافية المعطاءة والتي خرجت لنا اجيالا من الذين كان لهم وقع في المسار السياسي والمجتمعي والاقتصادي والفكري والعلمي، وتركوا بصمات واضحة في مجالات متعددة واصبح يضرب بهم المثل في العلم والتعلم والفكر والاخلاق والتواضع واغناء المكتبة المغربي بمؤلفات لا زالت مقصدا للباحثين والمهتمين من اجل الوقوف على ما خلفه الاسلاف من علم ومعرفة يستفاد في تنزيل مضامينها ومقتضياتها على ارض الواقع.

التعليقات مغلقة.