تراثنا المغربي بين الزخم الحضاري و الأفق التنموي

الانتفاضة

بقلم الكاتب  سمير السباعي

يحتفي العالم خلال هذا الشهر بمناسبتين رئيسيتين و هما  اليوم العالمي  للمتاحف الذي يصادف 18 ماي  من كل سنة، و اليوم العالمي  للتنمية الثقافية الذي يتزامن مع  اليوم  21  من نفس الشهر. و هو سياق يدعونا إلى تسليط الضوء على واقع تراثنا المغربي في علاقته بمشاريع التنمية. حقيقة لا يمكن الحديث عن الآفاق التنموية لتراثنا المغربي دون  استحضار  بعده  الحضاري كإرث يعبر عن مجموع القيم والعادات و الآثار المادية و المعارف و أشكال التعبير الامادي التي خلفها لنا الأجداد  في إطار سيرورة زمنية ممتدة وسحيقة  تفاعل الإنسان المغربي فيها  مع وجوده داخل المجال. وهو ما يمنح هذا التراث  حمولة وجدانية ملحوظة. إلا أن استثمار هذا الموروث الحضاري كرافعة لتحقيق التنمية  داخل مناطق عديدة من تراب الوطن، أصبح الآن أمرا ملحا   في ظل سيرورة اقتصادية و اجتماعية  وطنية وعالمية، تذهب في اتجاه تعزيز منطق التنمية المحلية و توظيف ما تزخر به كل منطقة من مؤهلات لإنجاز مشاريع تنموية ذات بعد محلي. وواقع الحال أن بلادنا  قادرة على أن تنخرط في هذه العملية، خصوصا  إذا علمنا أن عددا من المناطق المغربية   تزخر بمجموعة من المآثر التاريخية والخصوصيات الثقافية الضاربة جذورها في القدم،  التي تشهد على منطق من التراكم والاستمرارية التي ميزت ولاتزال حركة التاريخ المغربي ككل. بشكل يمكن معه توجيه هذا الزخم التراثي ليكون مساهما في صناعة أفق تنموي قابل للتطوير والتحقق، لكن الحديث عن هكذا نوع من التنمية الثقافية يستلزم منا لا محالة الوقوف على بعض التحديات التي تشكل معيقا أمام أي استثمار لرصيدنا الثقافي في مشاريع التنمية.  حيث أن هناك عددا من  المباني التاريخية في بلادنا  تعاني تهميشا حقيقيا خاصة على مستوى جمالية الفضاء ونظافته وتأهيله بشكل جعل بعضا  تلك المآثر نقاط هامشية أو معزولة، تصارع البقاء فقط بناء على رصيدها التاريخي. صحيح أن هناك مجهودات بذلت في هذا الإطار سواء في ما يتعلق بإعادة ترميم  بعض بيوتات المدن العتيقة و أسوارها أو القصبات …. بمبادرات   رسمية همت عددا  من المواقع داخل المجال المغربي ككل، إلا أن الأمر لازال يتطلب مجهودات أكبر. سواء من طرف الجهات الوصية أو من طرف الفاعلين المدنيين والاقتصاديين: جمعيات، أساتذة مختصين. منعشين عقاريين…..وذلك قصد العمل على دمج هذه المباني التراثية في الدينامية التنموية الحالية ببلادنا. خصوصا إذا تم   تأهيل فضاءاتها لتصبح نقط جذب للسياح المغاربة والأجانب بما يعني ذلك جعلها  رافدا من روافد  السياحة الثقافية القادرة، على إنعاش مشاريع اقتصادية جهوية و محلية مثل الفندقة و النقل و الإرشاد السياحي بالإضافة إلى تحويل عدد من المباني القديمة التي لا تزال قائمة،  إلى فضاءات متحفية  لعرض مجموعة من القطع واللقى  و الأشكال التعبيرية الحية أو المجسمة  كاستثمار اقتصادي  لتاريخية  عدد من الجهات في بلادنا  وساكنيها خصوصا تلك الواقعة في أعماق مغربنا العميق. كل هذا سيساعد بشكل كبير في دمج الساكنة التي تقطن بقرب هذا المعلم التاريخي أو ذاك  في أنشطة  تسمح بتوظيف ما تملكه من موروث ثقافي على مستوى العادات والتقاليد وفنون الفرجة وطرق العيش المحلي ضمن عملية إنتاج اقتصادي على مدار السنة. عبر  منظور تنموي مسطر وواضح المعالم يجب أن يعزز من  دعم القطاعات الوصية ذات الصلة  والقطاع الخاص  للمشاريع الثقافية الكفيلة بدمج عدد من ساكنة البلاد، في  تجارب تنموية تستمد محركها من ما تتوفر عليه كل منطقة من تراث لا مادي و مواقع تاريخية. مع الحرص بطبيعة الحال على تأهيل العنصر البشري المحلي ليكون قادرا على صناعة مبادرات اقتصادية واجتماعية مؤطرة بذلك الرصيد الحضاري المغربي.

التعليقات مغلقة.