حسن طارق: ثَــمَــنُ الديـمقـراطــيـة ..المغـربـيـة !

حسن طارق

بين المال والسياسية تاريخٌ مُريبٌ  من الإلتباس والتواطؤ والدسائس .في هذا التاريخ الغامض ثمة مُلاحظة سّاخرة لعُضو الكونغريس الامريكي [ مارك هانا]،في نهايات القرن التاسع عشر الذي سبق له أن قال :”هناك أمران مُهمان في السياسة :الأول المال ،أما الثاني فقد نسيته (!).
  مناسبة هذا الكلام ،التقرير الأخير للمجلس الأعلى للحسابات ،المتعلق بتدقيق مالية الأحزاب السياسية برسم سنة2012،والذي يمكن إعتباره خطوةٌ كبيرة تستحق -بلا مقدمات- إشادةً خاصة .
 إذ منذ إنطلاق العمل بقانون الأحزاب العام 2006،أصبح المغرب قريباً من الإتجاه العام للأنظمة المقارنة في تمويل الآحزاب ،حيث تذهب الممارسة الى توزيع مبالغ الدّعم بين نسبةٍ معينة متساوية بين جميع الأحزاب ،ونسبة أخرى تحتسب على قاعدة عدد المقاعد المُحصل عليها في الإنتخابات المرجعية .
  تقنين الدعم العمومي ،شكّل إنتصاراً لقاعدة الشفافية ، خاصة عندما تم الربط بين الدعم وبين الافتحاص الدّوري، التي أنيطت بالهيأة العليا للرقابة للمال العام ،كما حرص المشرع على تعزيز الهيئات الحزبية بلجنة للرقابة المالية الداخلية ،وإقرار حق الإطلاع على ملف الحسابات المالية لأي حزب من طرف كلّ صاحب مصلحة.
في هذا الموضوع بالذات ،يبدو المغرب قادماً من بعيد ،حيث كان موضوع المالية عند الأحزاب عبارة عن “طابو كبير” لايجوز الإقتراب منه ،وبالنسبة للدولة كان الدّعم السري وغير المُقنن “جزرة كبيرة”،تمنح في شكل حقائب مغرية تحت طاولات التفاهمات الغامضة .

توفر اليوم،الدولة المغربية ،فضلاً عن دعم الصحافة ،والذي وجد في أصل الحكاية لكي  تستفيذ منه الصحافة الحزبية،وبالتالي الأحزاب (إنطلاقاً من رسالة ملكية العام 1986)،وعن دعم الفرق النيابية بمجلسي البرلمان ،وعن الدعم المخصص للأحزاب السياسية بمناسبة الحملات الإنتخابية ،دعماً سنوياً خاصاً بالتدبير ،كما يُخصص لها دعماً متعلقاً بالمؤتمرات الدٌورية .

 وراء مبدأ التمويل العمومي للأحزاب ،تكمنُ فكرتانِ رئيسيتان؛الأولى تتمثل في الإنطلاق من حقيقة “المَهام “العّامة المُسندة للأحزاب السياسية ،والثانية تتجلى في الحرص على ضمان إستقلالية القرار الحزبي تجاه المصالح المالية والإقتصادية .لذلك فخيار “تأميم “الدّعم المالي للأحزاب ،بالقدر الذي يعني إقراراً بعمومية الرّسالة الحزبية ،بالقدر الذي يعنى بالضرورة تخوفاً من “خصخصة”هذا الدّعم،وهو مايعني -في الحالة المغربية مثلاً- تهديداً لممارسة ديمقراطية هشةٍ.
نعرف من خلال تصفح العمل الأخير لمجلس إدريس جطو ،أن كثيرةٌ هي الأحزاب التي لم تحترم المُخطط المُحاسباتي المُعدِ لهذه الغاية ،وأن ما يقربُ من نصفها لم يجد حرجاً في عدم المرور عبر خبير حسابات مقيّدٍ في الهيئة للتصديق على حساباتها ،كما أن عدداً كبيراً من النّفقات غير مُبرٌرةٍ ولا هي مُثبتتةٌ مصاريفها ،وهو ما يعني أن الأحزاب السياسية لم تتحول بعد الى تنظيمات تتعامل بمهنيةٍ مع موضوع التدبير المالي .
  التقرير المذكور ،فرصة لقياس حجم الطّموح الإرادوي لقانون الأحزاب ،كآلية لتدخل الدولة لعقلنة مآل الفكرة الحزبية المغربية ، وهو مايدعو من جهة الى  الوقوف على الجوانب الإيجابية ،من ذلك مثلاً أثر الرّبط بين آلية الدعم السنوي وبين دورية عقد المؤتمرات ،في نفس الوقت الذي يدعو من جهة أخرى للتساؤل عن سرِّ التوجه المُخيف لرهن ما تبقى من “القرار الحزبي ” لدى عديد من الأحزاب الوطنية بأعيان الفساد الإنتخابي !
وهو كذلك فرصة لحوار عمومي حول طرق توزيع هذا الدعم ،وما إذا كان مُخصصاً لتمويل الكبار،أم لضمان التعددية ؟
 كثيرون إعتبروا أن مبالغ الدّعم تبدو خياليةً مع نوعية غالبية النخب المهيمنة على المشهد الحزبي ،وأن العرض السياسي المتعلق بالديمقراطية الحزبية لهذه الهيئات لايستحق في المحصلة هذا “الثمن”.
لكن ،في النهاية يجب أن نقول أن الديمقراطية المؤمولة لاثمن لها في الواقع، إذ نستطيع بسهولة تقييم آموال الدعم ،لكننا لن نستطيع بالمطلق قياس التضحيات الإنسانية التي يتطلبها النضال الديمقراطي .لا أحد يمكنه أن يتصورّ مقابلاً لآلام أسرة شهيد ،أو عذابات زوجة معتقل ،أو جِراحِ إبْنُ مختطفٍ .!
السؤال هنا هل نُخبنا الحزبية في مستوى تضحيات الشعب المغربي وقواه الحية ،التي تكبدت جحيم التعذيب ومرارات النفي وهول الإختطافات وخراب الأسر والمصائر ؟
وتلك قصة آخرى !

التعليقات مغلقة.