روبورتاج: عرس الزواج في بادية ” إحاحان “

عبد الله العسري

ففي بعض بوادي قبائل حاحا ما زالت العروس ( تيسليت ) تحمل على صهوة الفرس وعلى رأسها تاج من غرس “الحبق” مرتدية سلهاما من صوف وخنجر من فضة كرمز لقوتها، وإشارة إلى أنها سوف لن تكون من نصيب من هب ودب ، وإنما لابد أن يكون فارس أحلامها من الشجعان وتتوفر فيه مجموعة من الشروط المتعارف عليها في القبيلة كالأصالة ( السلهام ) والشجاعة ( الخنجر) والطيبوبة ( الحبق).

ويرافق العروس في طريقها إلى بيت زوجها الرجال والشبان الذين يتقدمون الفرس والنساء في الخلف يرددن أشعارا مأثورة مباشرة بعد خروجها من بيت أبيها من قبيل :

–  يا بنيتي لا تذرفين الدمع ،                 ( وا أيلينو ءاداك ؤر تالاتي …)

 – إخوانك أينما حللت هنا وهناك .         ( أيتمام غيد ؤلا غين تريت )

وعند قرب الموكب إلى بيت الزوج يمدحن أهل البيت قائلين :

– بيت الكرام يضحى طريقه معبدا،    ( تكمي لاجواد آسا ءيتيلي ؤغاراس )

–  إذ لا وجود للخير كل الخير إلا عند الكرام .( إغ لا لاجواد ءيلينت تغاوسيوين )

وعند بلوغ العروس قبالة منزل زوجها ينادين الصهر الجديد بالأبيات التالية:

 – صهرنا هذا لا نعلم بعد ما إن كان كريما أم بخيلا ؟

 (أضكال ءاد ناغ ؤرتا نسن إسي كا  لجيد ؤلا إس إسموم  ؟ )

– حرك الصندوق أيها الصهر وآ تنا بالعبد والأمة !!

( سمدودي صندوق أيا ضكال  تاراد إسمك ؤلا توايا  !! )

إشارة إلى الصندوق الذي جمعت فيه الفضة والملابس الفاخرة التي أتى بها الموكب، فتتقدم بنتين في مقتبل العمر ويلقيان الورود على الضيوف، ثم يتقدم الأخ الأكبر للعروس لإنزالها من فوق أريكة الفرس وسط زغاريد النساء وهتافات ترحاب أسرة العريس ( إسلي )  ثم تتقدم أمها لتخاطبها ببيت شعري تذكر فيها ابنتها بالتيمن لتلج بيتها بأمن وسلام قائلة :

يا بنيتي تقدمي برجلك اليمنى ،    ( أيلي كد أضار نم   أفاسي ، )

 وادخلي بيتك بالخير والهناء .     ( أتكشمت تكمي نم س لخير )

وفي فناء المنزل وقبل أن تدخل العروسة غرفتها ينادى على العريس القابع في جلابيبه في أعلى سطح المنزل ليمطر الضيوف باللوز والتمر الذين يرددون :

 – يا عريس ! يا عريس  ! أمطر اللوز على نزلائك . ( إنكبيون  آيسلي  ! لوح اللوز آيسلي ..  !! )

ويلبي العريس فورا طلب ضيوفه ويرمي اللوز والتمر بيده اليمنى ، لكن رفيقه  يباغت الناس من حين لآخر ويمطرهم بثمرات أركان الشبيهة بالتمر ، ويحتج الضيوف عليه ويناشدونه على ترك العريس يواصل رميه للفاكهة…

وبعد ولوج العروسة غرفتها ينصرف الرجال إلى قاعة الضيوف ويتقدم بعد ذلك أحد الشبان من محارمها ليزيل لها الحبق ، وقد يعاند ويطلب من النساء الحاضرات عددا معينا من الزغاريد مقابل مهمته، وما عليهن إلا الامتثال لأوامر هذا الشاب العنيد ، إن أٍردن مشاهدة العروسة لتنطلق الفرجة من جديد من أهازيج وقرض للشعر بالمناسبة.  

وفي صباح اليوم التالي تتوجه أفراد عائلة العروسة بمعية أبناء وبنات الدوار لزيارتها في بيتها حاملين معهم الهدايا من أثاث وملابس وحلي ، ومدججين بالطبول والدفوف والناي مرتدين الزي التقليدي من جلابيب بيضاء وخناجر فضية بالنسبة للذكور، أما الإناث اللواتي يتخلفن الرجال في الطريق فيتزين بلحافهن المحلي ، ولدى قرب الموكب من منزل العريس يستقبل بالعطور من قبل عائلته وبشرفة المنزل للشبان وقفة قد تطول لتصل ساعتين يتحفون فيها الحضور برقصات محلية ” أحواش ” جماعيا مرة وأخرى بالمبارزة الفردية على إيقاع الدف والناي الحاحيين .

ماذا عن رقصــــــــــــة حاحا ؟

رقصة حاحا خاصة بالذكور فقط وتتميز بالخفة واليقظة خصوصا في المبارزة الثنائية بين شابين، إذ كل واحد يفترض منه أن يتجاوب مع الإيقاع الذي يبدأه رفيقه في الرقص وإلا سيعد ذلك نقصا في خبرته لدى متقني ومقومي هذه الرقصة.

وقد أكد العديد من الباحثين في الأهازيج الشعبية، أن هذا اللون من الفلكلور كان أصله التدريب الحربي بدءا بالزي الموحد ( الجلباب البيضاء، الخنجر الفضي بخيطه الحريري، العمامة البيضاء ، البلغة الصفراء ) والتناسق في الحركات.

وتؤدى رقصة حاحا وقوفا وذلك باصطفاف الشبان كتف بمحاذاة كتف حينا وسيرا واحدا خلف الآخر حينا آخر، وينطلق إيقاع الرقصة بانطلاق نغمة الناي الذي يسمى لدى ” إحاحان ” بـ “أستارا” الذي هو عبارة عن وصلات أولية على نغمات الناي في مستهل رقصة أحواش حاحا، وينفرد بأدائها عازفان على الناي، أحدهما يغير في النغمات والآخر يبسط أرضية النغمة بإيقاع طويل دون انقطاع حتى يترك الفرصة لرفيقه العازف في تغيير أو مواصلة نغمات “أستارا” كيف يشاء ، انتظارا وصول ضاربي الدف.

وعادة عندما يسمع صاحب العرس “أستارا” يقابله بالترحاب ويدعو لمؤدي النغمة بالصحة والعافية، وبعد لحظات فقط يلتحق صاحبي الدف ، لتنطلق نغمة أحواش التي يستغل فيها عازفي  الناي عادة نغمات أغاني الشعراء المعروفين لدى أهل البلدة ، يلي ذلك مباشرة  إيقاعات متمــــــيزة علـــــى دف  ” إحاحان” المصنوع من جلد الماعز والمشهور لديهم بـ ” تكنزا”، وضرب الدف بهذه المناطق يتميز بالخفة والسرعة وصرامة مؤديه للحفاظ على سياق النغمة حتى تتكامل مع نافخي الناي وهذا ما يميز أحواش حاحا عن بقية الرقصات التي تتدرج في سرعة إيقاعها..

ورقصة حاحا يستغل فيها الراقص كل قدراته البدنية في التعبير بالحركة، وللكتفين والرجلين والكفين دور هام في الأداء الجيد لأحواش، ويخضع الراقصون لتوجيهات مرؤوسهم الذي لا يكف عن التلويح بيديه وإلقاء أصوات من حين لآخر كإشارة لاستمرار الإيقاع أو تغييره بآخر، ورئيس المجموعة يكون عادة أعرفها وألمها بقواعد الرقصة ويسمى لدى قبائل حاحا بـ “أمرياس ” .

التعليقات مغلقة.