خبر عاجل
You are here: Home / ثقافة و فن / يونس قيروش ذاك الطائر الغريد
يونس قيروش ذاك الطائر الغريد

يونس قيروش ذاك الطائر الغريد

الانتفاضة
كلما جمعتني به مناسبة ما أو تقاطعت أقدامنا في أحد أزقة المدينة إلا واستقبلني بابتسامة في سعة أحضان صديقي حقيقي و لسان حاله يردد نفس اعترافه:” كم نحن محظوظين أنت و أنا وإخوتي، لمجرد وجودنا بموغادور” كنت أقرأ صفاء سريرته في كلامه و مجمل تصرفاته التي تخطأ أداب التعامل مع الغير. و مع مرور الوقت صرت أرى إلى سلوكه قناعة نشأت مع هذا الشاب الصويري الوسيم. فليس غريبا أن يدرج على تسامح ظل يعب معانيه من محلول هذا الفنجان البلوري المركون بهذا الجزء ساحل المحيط الأطلسي.موقع موغادور جعل نسيمها رياح” الشرقي” العابرة من الجنوب الاسباني . تعبر الأسوار مخترقة كل ما تصادفه من ثقوب أو فجوات في جدرانها العالية أوفي حيطان بيوت توطنت بها مع الزمن رطوبة ندية. مع مطلع كل صباح، لابد و أن نسمع صياح طائر العوا.أحيانا حين أتأمل هذا الطائر و هو محلق في سماء المدينة على امتداد الشاطئ ، أو في محيط الميناء القديم حيث باعة السمك بالتقسيط أو مطاعم الشواية ،توحي لي حركات جناحيه وتمايل جسده الرمحي ، بمشهد راقص كناوي ممن تعودت على حضور “كعداتهم” الخاصة . أسراب تطير و أخرى تحط لالتقاط بقايا خوت أو فردة سمك ،تلاعب الرياح مثلما تلاعب راقصة نال منها الحال بتعبيراتها الجسدية نغمات “الكنبري” و ترديدات القراقبية المحيطين في نصف هلالية بالمعلم . حدثني يونس مرات ،معربا لي بصراحته الشفيفة : كثيرا ما تساءلت و انأ شاب شرع الولع بهذه الموسيقى يداهمه، هل بوسع هذا الطائر سماع أنغام موسيقى الكنبري الصاعدة نحو الفضاء من زاوية سيدنا بلال ؟ و هل لهذه الرياح القوية أن تنقل له نغماتها الغائرة مثلما يلقي له هذا البحر من خيرات الزاد و الغذاء؟
كنا عابران –كاتب هذه السطور مع هشام قيروش – من درب أهل أكادير و قبل بلوغنا كتاب لا لة عزونة بلغ مسامعنا – ككل عابر للزقاق – صدى نقر مطارق الصناع و الحرفيين على خشب العرعار – والمعلم باكا الأب واحدا منهم – ينقشون محدثين بالنقش على الخشب المرجاني إيقاعات موزونة ، تعادل جملا موسيقية لن يوقعها على أوثار الكنبري إلا من هو إيقاعي بارع . فصاح يونس :هنا تعلمنا الجري و الركض و اللعب كل يوم مع أبناء الجيران.. كنا نمر بأزقة القصبة أو نمضي إلى بحركلوب قدوما من مدام سانديو، حيث يحلولنا ترديد بعض الاهازيج الصويرية المأثورة على مرمى من” جرف أحمام ” أو لما نقوم بخرجة “للمرسى”مرورا بالحدادة تم المنزه ، حيث يحدث أن نصادف”باضني” مجنون الكمان، فنتريت إلى أن نستمتع بعزفه ،و نشاطره قفشاته و نضحك من حركاته البهلوانية التي لا يخطأها ناس الصويرة .كثيرا ما كنا نعرج يسارا جهة “تغارت”حيث تجري مبارياة لكرة القدم فوق رمال الشاطئ أمام جمهور من معارفنا من رواد مطعم الشاليه. نصيح بأعلى أصوتنا دون أن ندرك أننا نمرن بهذه الطريقة حبالها و نؤهلها لما صار لها اليوم من مساحات صوتية .غالبا ما يطلق كل واحد من زمرتنا العنان لصوته الصداح فيغني ونغني و نحن راجعين إلى بيوتنا متعبين لكن مبتهجين وعلى شراهة، سوف يأكل بفعلها كل واحد ما ستجود به علينا “إيناه ” مما يؤكل .

 في الساحة الكبيرة شرع هشام في ما يشبه التداعي يبوح بعلاقته الحميمة بمدينته في صيغة تجعل من قولح حديث روحه المفعمة بعشقه لموغادور : 

كنا نطوي المسافة من الشاطئ إلى” ساحة الغضبنات” المعروفة اليوم بساحة مولاي الحسن .هنا كان يلتقي الصويريين ، تجلس النساء مدسوسات كل واحدة في ” الحايك ” الابيض،تراقب الاطفال يمرحون مسرورين بعالمهم البريء بعيد عن ضغوط الزمن،و اليوم في هذه الساحة تشيد اكبر منصات مهرجان كناوة و موسيقى العالم وتدعوا الهيئات المدنية و الحقوقية للوقفات الاحتجاجية.هنا غير بعيد عنها كنا نجلس مصطفين عموديا فوق الجدار الصغير لا حاجز يفصلنا عن رداد الموج وعن زبد البحر سوى الصخور العارية. نجلس وجها لوجه قبالة “بحر كلوب “.فاشرع في الغناء ،أما أخي ياسين و المجموعة فيرددوا بعدي لازمة ” أهــه ” في إيقاع وتناغم و بصوت كأنه نابع من حنجرة واحدة . ننشد أغنية “قبعة” التي ما حصل أن التقينا نحن الأطفال للعب سواء بين الأزقة و الدروب ، أو القصبة أو باب مراكش أو في ساحة “شريب اتاي “إلا و نستهل بها المقام .ربما في كان في ما نقوم به بعفوية دلالة على الدور الذي كان لميناء الصويرة أيام السلطان سيدي محمد بن عبد الله في ترويج الشاي، هذا المشروب الذي انشطر بسببه الفقهاء شطرين. منهم من كفر شربه –و ما أكثرهم – إلى أن تراجع أثر فتوتهم مع الزمن ، و منهم من لم يعترض علي شربه لأنه أدرك بالفترة و التذوق ما تحدثه نكهة ورقة الشاي في رؤوس عبأتها المعرفة و الحكمة أو بطن كورتها
الذهون و النعم. فمند تاريخ قديم و الشاي الصويري يعتبر من أجود الأنواع المستهلكة .لقد قيل لنا و نحن صغار،كما سمعنا من روايات بعض العارفين بتاريخ المدينة ،أن تاجرا يهوديا مغربيا اسمه “أبراهم كركوز” وهو من كبار تجار السلطان ، من لعب دورا مهما في استيراد هذه المادة الحيوية للمغرب ،بعد شحنه لها بميناء “مانشيستر” بديار الانجليز.
في هذه المناسبة تعلمنا من سلوك الكبار طقوس احتفال “شريب أتاي ” وترديد “الرزون ” في منافسة حامية نجريها نحن أطفال حي “بني عنتر،ضد أطفال حي الشبانات. احتفال و عادات أصبحت للأسف من النوادر في حياة الصويرين الجارية. مظاهر و تجليات ثقافية لم يعد بيننا –للأسف – من يهتم بها ،على الرغم من أننا توارثناها، ابنا عن أب و أبا عن جد، كما جدا عن جد الجد.كنت استعذب الصعود و النزول في مقامات صوتية لا علم لي بها حينذاك،و كان شقيقي ياسين قيروش اكبر المشجعين لي، يلهب حماس المرددين ،و يضبط الإيقاع بحركات من يده و كأنه” معلم ” متمكن أو مايسترو يقود فرقة سنفونية من النوارس الحرة ،فيرددون كلمة ” أهه ” كلما انتهيت من أداء شطر من هذه الأغنية الشعبية :


قوبعة..اهه
مريبعة.. اهه
ولحم جديد ..اهه
وما يدبح.. اهه
وما يسلخ..اهه
حتى يجي ..اهه
مولاي علي ..اهه
الدهباني..اهه
مول لكابوس.. اهه
قد الناموس.. اهه
دادا عيشة ..اهه
طيبت خبزة.. اهه
من يأكلها.. اهه
عياد لخير.. اهه
ساروا بالليل.. اهه
باش يداوي.. اهه
عرق الجاوي.. اهه
فين الجاوي ..اهه
عند العطار.. اهه
فين العطار.. اهه
ساكن لوكار.. اهه
اعطيته يشرب.. اهه
شرب لعلكة.. اهه
قد الفلكة ..اهه
مولات الدار.. اهه
عطيني شي,..أهه
أولا نمشي.. اهه
على كرشي.. أهه
كيف لحبشي ..أهه
ربي يشفي.. أهه
عتبة ميمونة..حاو حاو
فوق الزيتونة..حاوحاو
هاد الدار دار الله… أو لفقرة عبيد الله
عمرها يارب… بجاهك يارسول الله
نغني و نستمر في الغناء إلى أن يحل المساء ،لا شيء يفض جمعنا سوى ما يتركه على اجسامنا الصغيرة قطر الندى من صقيع يتداعى لقره جزعنا فننط تباعا راكضين كل في اتجاه داره.

About إبراهيم الانتفاضة

Comments are closed.

Scroll To Top
الإنتفاضة

FREE
VIEW