لماذا لاتريد سويسرا الانضمام للاتحاد الاوروبي؟

الانتفاضة

وائل سليمان

بين سويسرا والاتحاد الأوروبي عَلاقة معقدة. والقرار الأخير الذي اتخذته أمة جبال الألب بإغلاق الباب نهائياً أمام اتفاقية إطارية مع الاتحاد الأوروبي يؤكد مجدداً تمسكها باستقلالها. كان من شأن ثلاثة عقود بعد رفض الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي تعزيز الموقف السويسري. والأسباب هي الآتي

لسنوات، عملت برن وبروكسل على إعادة صياغة علاقتهما القديمة. قدمت الحكومة السويسرية الأسبوع الماضي خطتها الجديدة – سلسلة جديدة واسعة من الاتفاقات بين القطاعات بدلاً من معاهدة شاملة.

أعلن الرئيس السويسري إغناسيو كاسيس في 25 فبراير / شباط أن “الاستقلال الوطني جزء من تاريخنا وهويتنا”. بالنسبة للاتحاد الأوروبي تعتبر سويسرا زبونًا صعبًا. عام 1992 صوتت الدولة بـ “لا” للانضمام إلى المنطقة الاقتصادية الأوروبية (EEA)؛ وعام 2021 قطعت المفاوضات من جانب واحد بشأن اتفاقية إطارية مع الاتحاد الأوروبي. عندما يتعلق الأمر بالتعاون الاقتصادي تقول سويسرا دائمًا “نعم، عظيم”، ولكن عندما يتحول السؤال إلى تكامل سياسي أكبر، أو حتى عضوية، تقول “لا، شكرًا”، ما أكسبها سمعة بكونها أمة انتقائية لدى بروكسل.

يرى العديد من السويسريين الأشياء بشكل مختلف. يحبون أن يعتبروا أنفسهم محبين للحرية ومستقلين ومستعدين للوقوف في وجه السادة الأجانب (ورؤساء اللجان) بأسلوب ويليام تيل. يقول فابيو فاسرفالين، أستاذ السياسة الأوروبية بجامعة برن: “سويسرا دولة غنية جدًا ومستقرة جدًا لدرجة أنها لا تريد الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي”. يبرر بقوله إن هذا الدافع أهم من حب الحرية.

إذاً هل الأمر يتعلق بالعقلية أم المال؟ لماذا تميل سويسرا دائمًا إلى التوقف فجأة في علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي؟ إليكم الأسباب.

يقول فاسرفالن إن سويسرا ليست بهذا التميز. وما يغري الدول الأخرى للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي ليس مهماً لسويسرا. ويوضح “سويسرا ليست منفتحة على روسيا، وعلى هذا فالجانب الأمني مفقود بعكس إسبانيا أو اليونان، اللتين ما تزالان تعانيان الديكتاتوريات في القرن العشرين، لا توجد رغبة في انضمام سويسرا لتحقيق الاستقرار السياسي”. فسويسرا من أكثر الدول استقرارًا سياسيًّا في العالم.

اقتصادياً، فقدت العضوية جاذبيتها لسويسرا منذ توسع الاتحاد الأوروبي شرقاً، كما يقول فاسرفالن. ويضيف أن هذا ينطبق أيضًا على دول كالدنمارك أو السويد. “من المحتمل ألا تنضم دولة أو اثنتان من دول الاتحاد الأوروبي اليوم.”

المكانة الخاصة لسويسرا تعمل جيداً. ستيفاني والتر، أستاذة العلاقات الدولية والاقتصاد السياسي بجامعة زيورخ، صاغت الأمر كما يلي: “سمح الإعداد لعقود ثنائية لسويسرا حتى الآن بإقامة عَلاقة وثيقة ولكن مباشرة مع الاتحاد الأوروبي مصممة وفقًا للاحتياجات السويسرية.” لذلك ليس من المستغرب أن غالبية السكان والأغلبية في عالم السياسة والأعمال يريدون الحفاظ على الوضع الراهن، على ما تقول ستيفاني.

ترى سويسرا أن أكبر مشكلة هي تقسيم الثروة. لن تكون سويسرا فقط أحد المساهمين الصافيين في الاتحاد الأوروبي – أحد البلدان التي تدفع أكثر مما تنال – ولكن الأجور السويسرية هي أيضًا أعلى بكثير مما هي عليه في الاتحاد الأوروبي. لذلك فإن سويسرا تخشى “إغراق الأجور” واللجوء إلى نظام الرعاية الاجتماعية.
تقول والتر: “برأيي حرية تنقل الأشخاص حجة مهمة ضد الوجود في الاتحاد الأوروبي بالنسبة للعديد من السويسريين والبريطانيين”. وتقول إن هناك الكثير من المهاجرين من الاتحاد الأوروبي في سويسرا، تمامًا كما في بريطانيا.
يشارك فاسرفالن هذا الرأي: “سببت حرية التنقل مشاكل ملموسة فيما يتعلق بالأجور”. سويسرا مكشوفة جغرافياً ولغوياً – فمن الأسهل على الفرنسي العمل في غرب سويسرا بدلاً من تعلم لغة إسكندنافية.

يمكن للناخبين السويسريين التصويت على القضايا عدة مرات في السنة، بما في ذلك على المستوى الوطني. الديمقراطية المباشرة هي شأن وطني مقدس. ويقلق السويسريين من أن عضوية الاتحاد الأوروبي ستحد من حقوقهم في المشاركة السياسية لأن بعض سلطات الاتحاد الأوروبي ستلغي قرارات الاستفتاء.

يرى أحد أشهر المحللين السياسيين في سويسرا كلود لونجشامب أن الديمقراطية المباشرة هي العقبة الأوضح أمام عضوية الاتحاد الأوروبي. ويشير إلى أن غالبية الناخبين السويسريين وأغلبية الكانتونات يجب أن يوافقوا على الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي. والنقطة الأخيرة، خصوصاً، سيكون تحقيقها صعباً.

كما يرى فاسرفالن أن الديمقراطية المباشرة هي سبب، على الأقل تاريخيًا، لعدم وجود سويسرا في الاتحاد الأوروبي: “رُفض الانضمام إلى المنطقة الاقتصادية الأوروبية بفارق ضئيل في استفتاء عام 1992. لو ووفق عليه لاختلفت الأمور.” بعبارة أخرى: الديمقراطية المباشرة أبعدت سويسرا عن الاتحاد الأوروبي قبل 30 عامًا.

غالبًا ما تكون السيادة سيدة الحجج ضد الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي. أصبح “القضاة الأجانب” شعاراً سياسياً. بالنسبة لبعض القطاعات – في التمويل العالي مثلاً – يعتبر الإطار التنظيمي الضئيل نسبيًا لسويسرا مقارنةً بالاتحاد الأوروبي ميزة سوقية. لا ينبغي التهاون والتخلي عن السيادة مقابل العملية التشريعية.

وبرأي لونجشامب فهذه مسألة العقلية السويسرية: “سويسرا تريد حقًا أن تكون مستقلة قدر الإمكان”. غالبية واضحة من السكان تشارك هذا الموقف.

في أيسلندا كل شيء عن الصيد، في النرويج صناعة النفط هي التي تعيق عضوية الاتحاد الأوروبي. تتمثل العقبة الرئيسية في سويسرا في الصناعة الزراعية المدعومة بدرجة كبيرة والتي تحميها التعرفات الجمركية والحصص المفروضة على الواردات. يقول فاسرفالن: “سيكون جعل نظام الدعم السويسري متوافقًا مع النظام الأوروبي مشكلة”.

عدم انضمام سويسرا إلى الاتحاد الأوروبي يعني أنه يُنظر إليها على أنها أكثر حيادية من دول مثل النمسا أو أيرلندا أو السويد. والانضمام سيضعف الحياد السويسري. يساعد طابع الحياد سويسرا على تعزيز “مساعيها الحميدة” ووضع جنيف كمدينة مضيفة، أي أفضل من منافساتها فيينا وأوسلو وهلسنكي.

يقول فاسرفالن إن المساعي الحميدة أهم لدول كسويسرا والنمسا من الوزن المتزايد المرتبط بعضوية الاتحاد الأوروبي. ويوضح قائلاً: “تريد فرنسا أن تكون عضوًا في الاتحاد الأوروبي لأنها تستطيع بذلك ممارسة المزيد من النفوذ العالمي”. “بخلاف فرنسا لم يكن لسويسرا أبدًا طموحات لتكون لاعبًا عالميًا.”

لذلك، هناك عدد من الأسباب وراء عدم رغبة سويسرا في الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، بل وحتى رفضها لاتفاقية إطارية مع بروكسل العام الماضي. لكن ماذا تريد سويسرا بدلاً من ذلك؟

عرضت الحكومة السويسرية الأسبوع الماضي موقفها التفاوضي لمحاولة جديدة لإعادة بناء العلاقات مع الاتحاد الأوروبي.
أكد وزراء الحكومة السويسرية مرة وإلى الأبد أن نهج المعاهدة الإطارية الذي يرغب فيه الاتحاد الأوروبي “لم يعد قيد الدراسة”. وقد قررت الآن البحث عن سلسلة جديدة واسعة من الاتفاقات بين القطاعات بدلاً من صفقة شاملة. ومن غير الواضح كيف ستتفاعل بروكسل مع الاقتراح.

يبدو أن سويسرا تريد بقاء كل شيء على حاله. تقول والتر إن المشكلة في أن الاتحاد الأوروبي يدرك أن الوضع الراهن يجلب لسويسرا مزايا لا تتمتع بها حتى بعض دول الاتحاد الأوروبي. “هذا يمثل مشكلة بالنسبة للاتحاد الأوروبي لأنه يثير الحسد.” يقول لونجشامب إن الاتحاد الأوروبي ابتعد عن مفهوم العضوية الجزئية.

يقول لونجشامب: “نحن في سويسرا نأمل أن ينهار الاتحاد الأوروبي قبل أن تنهار سويسرا”. ويتوقع أنه “في الفترة التشريعية السويسرية المقبلة (2023-2027) ستكون هناك استعراضات”. “سيكون من المستحيل تجاهل القضية بعد الآن.” لكن حتى هذه الضجة لن تؤدي إلى عضوية الاتحاد الأوروبي. وبدلاً من ذلك سيؤدي إلى مناقشة ثانية حول المنطقة الاقتصادية الأوروبية. لذا بعد 30 عامًا سنعود إلى المربع الأول في لعبة شد الحبل بين أوروبا وسويسرا طويلة الأمد.

Share

عن Mustapha BAADOU

تحقق أيضا

اسرة الاعلام والصحافة بالمغرب تحتفي باليوم الوطني للاعلام والتواصل.

الانتفاضة تحتفي الأسرة الإعلامية قاطبة اليوم الثلاثاء 15 من الشهر الجاري ، باليوم الوطني للإعلام …