قراءة في حصيلة المجال الديني بالمغرب لعام 2016

الكنبوري: هذه قراءة في حصيلة المجال الديني بالمغرب لعام 2016

ليس من السهل إنجاز جرد بأهم ما طبع السنة الماضية (2016) في الحقل الديني بالمغرب، والقيام من ثم بقراءة له. ففي بلد كالمغرب، يشكل الدين جزء من هويته الثقافية والاجتماعية ويمنح للدولة جزء من الشرعية، ممثلا في مؤسسة إمارة المؤمنين، ويتحرك فيه الدين بشكل يومي في الطقوس والممارسات والعوائد، يصبح القيام بجرد عام للحقل الديني شبيها بمن يسأل أحدا وهو ينظر إلى البحر: أين يوجد الماء؟ فالدين في كل مكان.

إعلان حقوق الأقليات

وأعتقد أن أهم ما طبع المجال الديني خلال السنة الماضية، بشكل عام، أنها بدأت في تكريس صورة المغرب على الصعيد العالمي وانتهت بتكريس تلك الصورة على الصعيد الإقليمي. فقد كان انعقاد مؤتمر مراكش في شهر يناير، الذي صدر عنه “إعلان مراكش لحقوق الأقليات الدينية في العالم الإسلامي”، لقاءا دوليا وضع المغرب في قلب التحولات العالمية الراهنة، بسبب ما يحصل من توظيف للدين في إشعال المواجهة بين أتباع الديانات، وكانت جولة الملك محمد السادس في إفريقيا، والطابع الديني الذي هيمن عليها من خلال المبادرات التي قام بها، في نهاية العام، تكريسا لصورة المغرب في إفريقيا كبلد لديه نموذج في السلوك الديني يعمل على التعريف به ونشره.

جاء إعلان مراكش على خلفية ما يحدث في منطقة الشرق الأوسط، بسبب جرائم ما يسمى “الدولة الإسلامية في العراق والشام” تجاه الأقلية المسيحية اليزيدية، وما أثاره ذلك في الغرب وأوروبا، خصوصا من نقاشات وجدل حول مستقبل العلاقات بين المسلمين والمسيحيين، فكأن المؤتمر أرادت من خلاله البلدان الإسلامية المشاركة ـــ وقد شارك فيه رجال دين من غير المسلمين أيضا ـــ تبرئة الذمة مما يمارسه تنظيم “داعش”؛ ولذلك أكد الإعلان الصادر عنه على أهمية تأسيس تيار مجتمعي واسع لإنصاف الأقليات الدينية في المجتمعات المسلمة ونشر الوعي بحقوقها، وتهييئ التربة الفكرية والثقافية والتربوية والإعلامية الحاضنة لهذا التيار، وعدم توظيف الدين في تبرير أي نيل من حقوق الأقليات الدينية في البلدان الإسلامية.

وقد كان ذلك الإعلان بمثابة اعتراف غير رسمي بحصول تجاوزات ضد الأقليات الدينية في المجتمعات الإسلامية، وإلا ما الداعي إلى الدعوة إلى “تأسيس تيار مجتمعي واسع لإنصاف الأقليات الدينية في المجتمعات المسلمة ونشر الوعي بحقوقها”؟ وإذا كان الحال كذلك، لماذا تحتج البلدان الإسلامية، مثلا، على تقرير الخارجية الأمريكية حول حقوق الأقليات الدينية فيها؟ مع ذلك فقد بقي الإعلان حبرا على ورق؛ فجرائم تنظيم “داعش” استمرت في حق الأقلية اليزيدية، والمسلمون في أوروبا يتعرضون لحملات تشويه كبرى بسبب أفراد متطرفين ينفذون أعمالا إرهابية تلصق بجميع المسلمين، وهم أقليات دينية في أوروبا، حتى وإن كانت البلدان الأوروبية لا تعترف بالهوية الدينية للمواطنين أو المهاجرين.

القرويين والعلماء الأفارقة

وفي إطار إعادة ربط جامعة القرويين بتاريخها، وتجديد وظيفتها في سياق التجاوب مع تطلعات المغرب في المجال الديني، وطنيا وإسلاميا، شهدت السنة الفارطة صدور ظهير يعيد تنظيمها ويحدد مهامها ونظام الدراسة والتكوين بها؛ حيث أصبحت لها صفة المؤسسة العمومية للتعليم العالي والبحث العلمي في مجال العلوم الشرعية والدراسات والفكر والحضارة الإسلامية.

وقد حدد الظهير للجامعة عددا من المهمات والوظائف الجديدة، بهدف النهوض بدورها في التعريف بالفقه المالكي وتاريخ المغرب والتواصل الخارجي. وفي سياق انفتاح المغرب على القارة الإفريقية والتركيز على البعد الديني في دبلوماسيته الإفريقية، فإن تجديد القرويين يمكن أن يلعب دورا في التعريف بالمغرب على الصعيد الإفريقي، بالنظر إلى الدور التاريخي الذي قام به جامع القرويين، كمنارة للعلم الديني، في التعريف بالمدرسة الفقهية المغربية.

وقد بدا هذا الهدف واضحا، وتبين من خلال اختيار القرويين من لدن الملك محمد السادس للإعلان منه عن تنصيب “المجلس الأعلى لمؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة” في شهر يونيو من السنة الماضي، بعد فترة قصيرة على صدور ظهير إعادة تنظيم القرويين. وأكد العاهل المغربي، أثناء تنصيب أعضاء المجلس، أن هذا الأخير يندرج ضمن إطار التعاون وتبادل التجارب، وتنسيق الجهود بين العلماء للقيام بواجبهم في التعريف بالصورة الحقيقية للدين الإسلامي وقيمه القائمة على الاعتدال والتسامح والتعايش، وجعلها في خدمة الأمن والاستقرار والتنمية بأفريقيا.

وقد ضم المجلس أعضاء من 31 دولة إفريقية، وهي تمثيلية كبيرة. وجاء إحداث المجلس في حقبة شديدة الصعوبة تجتازها القارة الإفريقية، بسبب التحديات الأمنية الناجمة عن التطرف الديني، ومن ثم الحاجة إلى إيجاد منتدى إفريقي للعلماء يعيد تجديد الخطاب الديني وتقديمه للشباب، بهدف الحد من التشدد.

وبالرغم من أن المبادرة في حد ذاتها مهمة، إلا أنها بمفردها ليست كافية من دون الأخذ بعين الاعتبار الجوانب الاقتصادية والاجتماعية المتعلقة بمحاربة الفقر والهشاشة في البلدان الإفريقية، وهي دعوة ما فتئ العاهل المغربي يركز عليها في مواقفه حيال القارة الإفريقية ومشكلاتها.

دبلوماسية دينية

وشكلت زيارة الملك محمد السادس إلى عدد من البلدان الإفريقية مناسبة لدعم صورة مؤسسة إمارة المؤمنين على الصعيد الإفريقي، ودفعا للدبلوماسية الدينية للمملكة. وقد حرص الملك، بصفته الدينية، على إقامة صلاة الجمعة في أربع بلدان هي زنجيبار والسنغال ومدغشقر ونيجيريا، وصاحب ذلك توزيع نسخ من القرآن الكريم بالخط المغربي برواية ورش عن نافع.

ويمكن ملاحظة أن هذه الدبلوماسية الدينية القوية سارت بالموازاة مع الدبلوماسية السياسية. فقد أدرك المغرب أن الدين رأسمال رمزي ـــ بتعبير بيير بورديو ـــ يمكنه تعويض الرأسمال المادي، في استراتيجية التغلغل في إفريقيا وإعادة توطين صورته في مواجهة المنافسة التي تخوضها معه الجزائر، كبلد مصدر للغاز، للحيلولة دون عودة المغرب إلى الاتحاد الإفريقي.

الملك محمد السادس يقود

شهدت السنة الماضية أيضا مبادرة جديدة في مشروع الإصلاحات التي مست الحقل الديني، وقد تمثل ذلك في تعديل مناهج ومقررات التربية الدينية في التعليم بطوريه العمومي والخاص والتعليم العتيق، بموجب التعليمات التي وجهها الملك إلى وزارتي التعليم والأوقاف والشؤون الإسلامية في فبراير من العام الماضي.

وتعد هذه الخطوة جزء من الإصلاحات التي طالت الحقل الديني بالمملكة، لكنها من ناحية أخرى تندرج ضمن مسار الإصلاحات التي قامت بها بلدان عربية وإسلامية أخرى من أحل تغيير أو تعديل مناهج الدراسات الدينية.

أحلام موءودة

وبعيدا عن المستوى الرسمي، يمكن اعتبار السنة الماضية سنة إقبار طموح الشيعة المغاربة في تأسيس واجهة مدنية لهم، بعد الجدل الذي أثاره تيار يطلق على نفسه اسم “الخط الرسالي” أو “الرساليون” طيلة العامين الأخيرين. فقد شهد عام 2016 حدثين بارزين؛ الأول هو امتناع السلطات الإدارية بمدينة تطوان عن استلام ملف التصريح بتأسيس جمعية “رساليون تقدميون”، والثاني هو اعتقال عبد الرحمان الشكراوي، الذي كان رئيسا للجمعية المذكورة في وثائق التأسيس.

وبذلك يمكن القول بأن الدولة قضت على حلم راود الشيعة المغاربة في سياق التحولات التي طرأت مع الربيع العربي، حينما رأى هؤلاء أن الانفتاح السياسي الذي حصل في المغرب يمكن أن يعجل بميلاد مشروعهم والاعتراف به.

وكما كانت سنة 2016 سنة نهاية حلم الشيعة، كانت أيضا سنة نهاية أحلام التيار السلفي في تسجيل حضور سياسي له. ففي انتخابات أكتوبر الماضي تقدم سلفيان ضمن لوائح أحزاب سياسية للحصول على ثقة الناخبين، والتحول من ثم إلى حالة اختبار لإمكانية دخول السلفيين معترك العمل السياسي، لكن فشلهما في الحصول على مقعدين في البرلمان أظهر انقساما مزدوجا، انقساما في النخبة السلفية حيال المشاركة السياسية، وانقساما في القاعدة السلفية حيال التصويت على مرشحين سلفيين؛ حيث توزعت أصوات السلفيين على عدد من الأحزاب السياسية، من بينها حزب العدالة والتنمية وحزب الأصالة والمعاصرة.

تصريحات الريسوني

وأخيرا يمكن التوقف عند التصريحات الصحافية التي أدلى بها الدكتور أحمد الريسوني، الرئيس الأسبق لحركة التوحيد والإصلاح ـــ الجناح الدعوي لحزب العدالة والتنمية ـــ والتي هاجم فيها جماعة الإخوان المسلمين المصرية، وأعرب فيها عن ارتياحه لإزاحة أحمد مرسي من الحكم، واعتبر فيها أن الجماعة كانت تسعى إلى إقامة نظام في مصر شبيه بالنظام العسكري. وتعد هذه التصريحات غير المسبوقة مفاجأة بالنظر إلى الارتباط الروحي بين الحركة والجماعة التي كان لديها نوع من الكاريزما لدى الإسلاميين المغاربة.

ورغم أن الريسوني حاول تقديم توضيحات حول تلك التصريحات التي فاجأت الكثيرين، إلا أن الواضح أنه تحفظ عن الأسباب الحقيقية. ونعتقد بأن انتخاب دونالد ترامب رئيسا لأمريكا، المعروف بمواقفه المتشددة حيال الإسلاميين، وما تسرب آنذاك عن الأشخاص الذين سيشكلون الإدارة الأمريكية، وإمكانية وضع الجماعة المصرية في لائحة التنظيمات الإرهابية، كل ذلك كان من بين دوافع الريسوني إلى محاولة التبرؤ من الجماعة والنأي بحركة التوحيد والإصلاح عنها، والهجوم عليها بتلك الطريقة التي تجاوزت ما يقوله خصوم الإسلاميين عن الجماعة المصرية الأم.

Share

عن Al intifada

تحقق أيضا

توضيح أولي للجامعة الوطنية للتعليم FNE التوجه الديمقراطي حول محضر الاتفاق المرحلي ليوم 18 يناير 2022

الانتفاضة بالإضافة إلى الملفات الستة (من أصل 47) التي تم طرحها في المحضر والتي عولجت …