عودة إلى النمطية ودورها التخريبي في الشعر العربي المعاصر ( الحلقة الثانية )

الانتفاضة

د.مولاي علي الخاميري

من معالم النمطية المباشرة والضاغطة على النفس أنك عندما تسوقك رجلك لحضور الأماسي الشعرية ستقع عينك على كم كبير من الأسماء المشاركة ، ربما تشعر معه بشيء من الاطمئنان العددي على ما ستكون عليه الأمسيات على صعيد الرخاء والتنوع والمتعة الفنية ولكن عندما تنتهي تلك الأماسي ( المآسي ) تشعر بخيبة كبيرة جدا ، فهذا الازدحام على منصة القول لم يُبنَ تعدده على خيط ناظم وملموس تبعا لكثرة المدارس الشعرية ، والمناهج القرائية ، والمسالك الفنية التي تربى عليها الإنسان العربي البسيط والمثقف ، ولم يكن بوازع الإحاطة بفنون القول الشعري ، وتمتيع الجماهير والقراء ، وأنا شخصيا أفهم من لفظ الأمسيات أنها ستضمن لي سماع كل النماذج ، أو أكثرية التجارب على الأقل بدءا بالقصيدة العمودية ، ومرورا بقصيدة التفعيلة ، وقصيدة المقطع ، وقصيدة الجملة ، وقصيدة النثر……. تبعا لتنوع تجارب الشعر العربي الفسيحة .

والمضحك المبكي هنا الذي يتخطى كل عبث في تصوراته وحدوده أنك تجد أسماء دائمة الحضور في الأمسيات بالجسد وبالمقاطع ( الشعرية ) ذاتها ، فهؤلاء وأمثالهم وهم كثر فقدوا الحياء ومصارحة النفس بضرورة الانسحاب ، أو على الأقل وجود رغبة في التغيير للمسايرة والاستمرار ، ولم تعد لديهم قدرة للتخلص من عبثهم المتكرر بوقاحة في جميع الأمسيات ، أو الإتيان بعبث آخر جديد ومغاير يشفع لهم حضورهم الدائم .

ومن معالم النمطية المخربة للشعر العربي المعاصر كذلك حصر تلك التجربة الواسعة في حيز زمني معاصر غير تام ، وغير ناضج ، والاكتفاء مثلا بتجربة بدر شاكر السياب وما لحقها على مستوى الأسماء والاتجاهات ، والأمر الفظيع هو التضييق على ما ضُيِّق أصلا ، فأغلبية الشعراء المعاصرين يحصرون معنى الشعر في نمذجة قصيدة النثر فقط ، والأمر على هذا الشكل فيه ظلم مقيت للشعر العربي ، وفيه هرولة لما يعتبرونه سهلا ، فينطلقون في وضع مجموعة من الجمل والخربشات المبعثرة بلا رابط فكري أو لغوي ، ويزعمون أنه الشعر الأوحد الكامل والبارع والتام ، وليضرب الطوفان جميع واحات الشعر العربي السابقة والزاخرة بفلسفة القول ، ومضامين الفكر العتيقة ، وتجليات الجمال المبهرة .

يمكن أن نلخص ما عليه الشعر العربي المعاصر في الكولسة البغيظة ، والادعاءات المزيفة ، ومحاولة صنع أسماء في مملكة الشعر بلا قدرة ولا موهبة ، فالأمر وعلى هذا النحو أضحى مُبَيَّتا ، وأن الشاعر المعاصر لا تعنيه الثقافة الشعرية في شيء ، وليس مستعدا أن يطلع على كل تجارب الشعر العربي بقوانين الضرورة الملحة للانتماء إلى دائرة الشعراء ، وبحكم البحث عما يتلاءم مع المواهب والقدرات الفنية والفكرية ، وسيزداد الأمر سوءا عندما تجد الشاعر لا يولي اهتماما لتنمية زاده الثقافي مع مرور الوقت ، وليست لديه الرغبة كي يبحث عن المُتَع الجمالية ويغذي بها قريحته الشعرية ، ويضيف إلى اللوحة من نفسه ما ليس فيها لحد الآن .

أنا أُكْبِر شعراء المرحلة المتأخرة من أمثال السياب والبياتي ونازك ونزار وما جاء بعدهم مما صار على تحقيق معنى الضرورة السابقة والواجبة في كل من يريد أن يصبح شاعرا لتقصي ومطالعة كل تجارب الشعر العربي والقدرة على الإتيان بشعر يشبهها ، والأسماء المذكورة تحقق فيها هذه المزية التي تجمع ما بين السابق واللاحق انطلاقا من قدرتهم الفكرية واللغوية على النسج على أي منوال من التجارب الفائتة ، ثم إيمانهم وقناعتهم ووفائهم لاختياراتهم التجديدية التي استمروا بالمطالبة بها تنظيرا وإبداعا ، وجددوا في تعابيرها بقدرة واعية وواضحة على كافة المستويات ، ففي كل قصيدة وديوان وأمسية تتأكد لك عبقريتهم في مسيرتهم الشعرية التي ظلت متطورة ومتجددة ، ومع كل طلة أو حضور تعثر على الإضافة المقنعة والمتعة المنتظرة ، أما بعض إخواننا فمشاهدهم هي هي لا تتغير لا في البدء ، ولا في النهاية ، يشبهون الأموات وهم لا زالوا أحياء للأسف الشديد .

وأنا أُكْبِر كذلك الشاعر أدونيس وغيره من أساطين قصيدة النثر بالرغم من بعض المواقف التي تفرق فيما بيننا ، ولكن أعترف لهم بمعطيين كبيرين :

الأول هو اطلاعهم الواسع على الثقافة العربية ، وما يتعلق منها بالشعر على وجه الخصوص ، وبجميع نماذجه وتجلياته الفنية والفكرية .

الثاني لغتهم الرصينة والقشيبة والواسعة الواردة في أشعارهم وكتبهم وتحليلاتهم ، مما يعني أنهم مؤهلون للمناداة بالتجديد والتطوير ، عكس ما عليه أصحابنا ذوو الفكر المحدود الذي تنعدم معه الإبانة على مرادهم بلغة واضحة ومقنعة ، بالإضافة إلى أن أساليبهم وتركيباتهم اللغوية ضيقة وضحلة ، ومخالفة لقواعد اللغة في الشروط الأدنى ، ومعجمهم محدود ومكرور وجاف ومشتت ، واقتباساتهم الرمزية يغلب عليها التكلف والمصنع ، وسوء الفهم والاستخدام ، أما صورهم فباهتة وناقصة وغير محبوكة في التعبير عن المعاني المطروحة ، وأما نفَسُهُم فيشبه نفَس الرجل الطاعن في السن ، المتكئ على العصا الذي يلهث وترتبك خطواته الأولى وهو لا زال في بداية المسير .

إن من يريد أن يتشبه بهؤلاء الشعراء فعليه أن يتشبه بهم في جميع مؤهلاتهم ومساراتهم ، وليس في محطة النهاية البادية سهلة للبعض ، فكل تلك الأسماء جددت وطورت القصيدة العربية ، وكانت أهلا لكل ذلك بما يتلاءم مع حجم ثقافتها وفهمها واختراعاتها ، فكفانا من التشبه والتمثيل السلبي ممن لا يملك ذرة مما ذُكِر ، ويَدَّعي التجديد والتطوير ، ويخفي جهله ، وضحالة ثقافته ، ويريد أن يقفز إلى الصفوف الأمامية بكل تلك العيوب الملاحظة ، وبالاختفاء بدعوات نصرة تلك الأسماء المذكورة والإكثار من الحديث عنها باللسان المتعثر وليس بالفكر المتوهج……..فلن ينجح ، بل سيسئ لنفسه وللشعر وإن لم يستح سيبقى يدور في مكانه ، وستصيبه ذلة الإبداع بقداسة الشعر وقدسية الشعراء الأصلاء ، وسيتعرف في النهاية على حجم ذاته الحقيقي ، وسيرعوي ، ويرجع من تلقاء رأسه إلى الخلف ، لأن الإبداع بصفة عامة هو اصطفاء واختيار واكتساب للمهارات مع توالي الوقت .

الحمد لله على أجدادنا الذين تركوا لنا هذا التراث الضخم من الشعر هكذا قابلا للتطور وللتجدد ، ضاما ومستوعبا لكل التجارب والتجاذبات ، وسطروا لنا في جميع الاتجاهات آيات إبداعية فريدة في كل شيء ، لا يمكن أن تنسى ، ويستطيع كل باحث متزن عن الحقيقة أن يقيس عليها ما يتوالد في الساحة مما يُدعى بالشعر وهو ليس كذلك ، والميازين أمامه فليبدأ بقراءة الاتجاهات والمسارات ، والمدارس المذكورة .

أن تكون شاعرا بالسمت فلن تكون ، وأن تكون شاعرا بتسمية نفسك أو جماعتك بأنك شاعر فلن تكون ، وأن تكون شاعرا بالتكالب على حضور الملتقيات والأمسيات فلن تكون ، وأن تكون شاعرا بالادعاء وتحديد نقطة الانتماء فلن تكون ، وأن تكون شاعرا بمجاهرة الرفض للقديم والذوبان في الجديد والحديث فلن تكون ، وأن تكون شاعرا بميولات التعصب والافتراء والكذب فلن تكون……
إنما ستكون شاعرا إذا كانت لك موهبة ، وحصلت على زاد ثقافي مهم في مسيرتك الفكرية ، واطلعت على كل التجارب السابقة والقائمة بوعي واعتراف واستفادة ، واستطعت أن تجد لنفسك مكانا مشرفا ضمن كوكبة الشعر الطويلة ، ولا يهم بعد ذلك لا طريقة الكتابة ، ولا رقعة الانتماء ، ولن تُحاسب على ميولك ، ما عليك إلا أن تتحقق من نفسك ، وأنك شاعر بالمقاييس العلمية الواضحة والمشتركة بين أهل الميدان ، وتتخلص من كل المواقف العنترية التي يُقصد بها التستر على جهلك وفراغك وفقر لغتك وضعف صورك ومشاهدك ، والأكثر هو أن تتجرأ وتفرض نفسك ، وتعلن أنك شاعر ، وما أنت إلا متذبذب لما تقرأه بخط يديك ، فاشل في إقامة العلاقة السوية بين قلمك وفمك وقت الإنشاد حين تتنقل بين مقاطع من الجمل متناثرة على صفحات الكتاب بدون أية علاقة ملحوظة ، ومع ذلك تدعي الشعر ، فهذه هي الحسرة الكبرى لزمننا الكئيب ، وتلك هي الكذبة المنتشرة في وسطنا باسم الشعر وما هي من الشعر في شيء .

Share

عن Mustapha BAADOU

تحقق أيضا

فتح بحث قضائي لتحديد ملابسات استعمال شرطي لسلاحه الوظيفي أثناء نزاع شخصي

الانتفاضة فتحت المصلحة الولائية للشرطة القضائية بمدينة بني ملال بحثا قضائيا تحت إشراف النيابة العامة …