خبر عاجل
You are here: Home / كتاب الآراء / صهد مراكش الذي لا يضاهيه إلا صهد الفرناتىشي
صهد مراكش الذي لا يضاهيه إلا صهد الفرناتىشي

صهد مراكش الذي لا يضاهيه إلا صهد الفرناتىشي

الانتفاضة
محمد النواية
حين تشتد الحرارة بمراكش وتصل إلى درجة حَمّارة القيظ يذوب الزفت في قارعة الطريق وتُرْسَمُ فيه أثار صنادل المارة وتغرق فيه غلاقات زجاجات كوكاكولا، ويتم الإقبال على القبعات والطرابيش الواقية من أشعة الشمس .
قبل الخروج من منازلهم يتأبط المراكشيون قنينة من الماء البارد ويبللون
قبعاتهم وأقمصتهم بالماء وما هي إلا لحظات حتى تجف فوق أجسامهم.
من شدة الحر تدوخ العقول ويكثر النسيان ويعجز الإدراك وتعطل المخيلة، تتحول الساحات إلى مقلات إذا وُضِعَ فيها البيض يصير أومليط في رمشة العين .

حين تتكئ على الحيطان تصير لك مكمدا للأضلع ، تركب الأوتوبيس
فتسرع إلى أقرب نافذة ؛تقبض على القضبان فتحرقك ،تطل من النافذة فيصفعك لهيب حارق؛ تنزل فتهرع إلى ظل شجرة أو مظل متجر وهكذا الصهد يطاردك أينما حللت .

في لحظات استراحة الكادحين في مجال البناء والأعمال الشاقة يغطسون أجسامهم بملابسها في براميل من الماء حتى يتمكنوا من مواصلة كدحهم تحت الشمس الحارقة . أما عمال الأفرنة التقليدية ومحلات تصبين  وتجفيف الملابس وخازن النار في الفرناتشي فهم في درجة قصوى من الحرارة ، فكلما ضاق بهم الأمر في أفرنتهم خرجوا إلينا ليستريحوا في الفضاء العام أو لنقل الحمام العام .
تأثير شدة الحرارة بمدينة مراكش يظهر خاصة في فتور الحركة التجارية
في أسواق المدينة العتيقة ومحلاتها الخاصة التي تعرض ابتكارات صناعها التقليديين في شتى أنواع المنتوج التراثي المحلي ، في رمضان يصيب الخمول  والارتخاء معظم أرباب هذه المحلات والحوانيت والحرفيين اللذين يلزمون الصمت بالنهار لكن سرعان ما يترمضنون ويردون بقوة عن كل نبز أو غمز، يكون القصد منه سماع ردود طريفة بديعة وبداهة في اختيار ما يضحك من القول وما يستطاب من عبارات منمقة وموزونة نابعة من ضغط الصوم والحر الملتهب وتأثير الإقلاع عن التدخين نهارا.

في يوم من أيام الصيف كان الجو حارا إلى درجة أن المراكشيون لم يعودوا يطيقون حتى ملابسهم .
أما الساكنة داخل الأسوار فهي متأقلمة مع طقس المدينة صيفا وشتاءا بما ورثته من تقاليد حضارية وعادات قديمة ودور ورياضات بعمران وهندسة تؤهلها لمواجهة حر الصيف وقساوة الشتاء ؛ كما أن مساجدها المرابطية والموحدية والمرينية والسعدية هي زيادة على كونها قبلة للصلاة هي كذلك ملاذا لأهل المدينة حين تضيق بهم سخونة الأمكنة .
يغيب النهار ويحل ليل من ليالي الصيف الحارة فيهب الناس إلى الساحات
والحدائق والفضاءات الخضراء لينتعشوا بقليل من البرودة يتسامرون في
مجالسهم بأحلى الكلام وألطف النوادر وكل ما تجود به قرائحهم وذاكرتهم
من قصص وبوح في كنوز الأدبيات الشعبية ،ومع مرور وقت السمر
يكونون قد اختزنوا قسطا من الرطوبة لمواجهة نهارا آخرا ساخنا.

Share

About إبراهيم الانتفاضة

Comments are closed.

Scroll To Top
close
Facebook IconYouTube IconTwitter Iconfacebook like buttontwitter follow button
الإنتفاضة

FREE
VIEW