تقرير عن أشغال المؤتمر السنوي الدولي الثالث لمؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث حول الدين والشرعية والعنف

11052513_900834993298191_7681806329013969619_n

عمان – الفريق الصحفي ذوات

انطلقت صباح الجمعة 4 أيلول (سبتمبر) الجاري في العاصمة الأردنية عمّان، أشغال المؤتمر السنوي الثالث لمؤسسة “مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث” تحت عنوان “الدين والشرعية والعنف” بمشاركة نخبة من المفكرين والباحثين العرب.

المؤتمر الذي عقد في فندق لاند مارك ويستمر يومين، ونُظِّم بالتعاون مع مركز الدراسات الاستراتيجية بالجامعة الأردنية، تحت رعاية رئيس الجامعة الأردنية  د.اخليف الطراونة، كرم المفكر اللبناني الدكتور ناصيف الذي قدم الكثير للفكر العربي في سياقه الكوني، حيث عرف على المستوى العربي والدولي بعمق طرحه وبمشروعه الفكري العقلاني العلمي الحر، الذي يحلم بعالم عربي أكثر حرية وإبداعاً. 

وقال المدير العام لمؤسسة “مؤمنون بلا حدود” الدكتور محمد العاني في كلمة الافتتاح إن: “موضوع المؤتمر السنوي الثالث للمؤسسة الموسوم بـ “الدين والشرعية العنف” هو موضوع الساعة؛ فهو يشغل الرأي العام العربي ودوائر صنع القرار بشكل كبير”.

والمفارقة، وفق العاني، أن هذا العنوان أقيمت حوله المئات من الندوات والمؤتمرات وكتبت حوله الآلاف من الدراسات والأبحاث منذ ما يزيد على ثلاثة عقود حتى الآن. ورغم أننا نشهد حرباً شاسعة وممتدة ضد الإرهاب والتطرف على كافة المستويات، عسكرياً وسياسياً واقتصادياً وأمنياً وإعلامياً وثقافياً وفكرياً، تفرضها دول وتحالفات وجهات مستقلة ولكن  الحصيلة هي تنامي التطرف والعنف والإرهاب باسم الدين، والعنف باسم الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان.

والسؤال الملح اليوم، وفق العاني، إلى أين نحن ذاهبون بهذه الحرب؟ هل يمكن لعقل أن يتصور أن حرباً شاملة وشاسعة وممتدة بهذا الشكل تؤدي الى نتائج عكسية؟!

وأشار العاني إلى أن نقاش الموروث الديني والثقافي “مسألة معقدة”، نحن بحاجة فيها لمزيد من الدراسات البحث والنقد، وهذا ما تشتغل عليه مؤسسة “مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث” والمؤسسات الفكرية في العالم العربي، منوهاً إلى أن الأمر يحتاج إلى تطوير وتجويد، وإلى أدوات جديدة تنفذ هذه الأفكار، وإن كنا نتحدث عن عوامل للعنف فهناك عوامل أخرى تفرض ثقافة التطرف الجديدة والعنف، وتقتطع من موروثنا التاريخي والديني ما تستند عليه.

خطاب سياسي ديني شمولي

العامل الأول الذي تشير إليه العديد من الدراسات والأبحاث، بحسب العاني، هو عامل إحساس الشباب “المتطرف المغرَّر به” بالتهميش وعدم الأهمية وانتهاك كرامته، بل إن العربي، حسب رأيه، “يعيش هذا الانتهاك للكرامة بشكل شبه يومي، وعلى كافة المستويات، الإقليمية والدولية والوطنية”. ويتعلق العامل الثاني بالخطاب الديني نفسه الذي يضخ في جسد مجتمعاتنا منذ مدة طويلة الفتنة والتفرقة والعنف، ألا وهو “الخطاب الديني السياسي الشمولي”.

وتابع العاني حديثه بخصوص العامل الأول قائلاً: “صحيح أنه عندما تُقتَل وتُفجَّر وتُقطع رؤوس الناس، فهذا انتهاك معيب للمبادئ الاخلاقية ولكن أيضاً عندما لا تُبذل جهود لرفع الظلم عن الناس، فهو أيضاً فعل شنيع وانتهاك للمبادئ الأخلاقية، بغض النظر عن الأطروحات والمفاهيم التي تتحدث عن الأخلاقيات وحقوق الإنسان.

وفي الفعل السياسي هناك بشر “غير متساوين في أدنى توصيف للكرامة الإنسانية”، ويدلل العاني على رأيه بأنه “عندما يخرج الآلاف والعديد من الوجوه البارزة للتضامن مع ضحايا “شارلي ايبدو” فهو مشروع أخلاقي، ولكن اللاأخلاقي ألا تخرج قلة من أجل مئات الآلاف من الضحايا الذين قتلوا ومن أجل المئات الذين يقتلون كل يوم”.

وتساءل العاني مستنكراً: “ماذا نسمي هذا عندما لا يجد الإنسان المقهور تأشيرة للهروب من الموت، عندما تُسد في وجهه أبواب الرحمة؟”، مستدركاً: “نعم هناك اعتبارات على مستوى الأمن الوطني والقومي التي يجب أن يُؤخَذ بها، ولكن هذا الفعل الذي يخلق عنفاً وكراهية ويدفع هؤلاء إلى التطرف أليس أيضاً خطراً على الأمن الوطني والقومي؟”.

وأردف: ما الذي يحتاج إليه التطرف ويمثل عامل جذب أكثر مما سبق؟ وما الذي يحتاج إليه أكثر من هذه التربة الخصبة ليحظى بالبيئات الحاضنة للتطرف؟!، وهل يمكن للإنسان الذي انتهكت واقتنصت كل معالم حياته ووجوده أن يصدق بالشرعية؟

ومن هنا، رأى العاني، أننا بحاجة الى  “حرب  ضد انتهاك الكرامة، ولا جدوى للحرب ضد الإرهاب بما هو معمول به حاليا ولو بقي لآلاف السنين”.

وفيما يتعلق بالعامل الثاني الذي حدده العاني بالخطاب السياسي الديني الشمولي الذي يستند إلى أزمة الهويات وأزمة الشرعيات، يوضح: “قد تكون بعض الجماعات الإسلامية لا تحمل سلاحاً وليست إرهابية، ولكنها مهدت الطريق لجماعات الفعل السياسي دينياً وللزج باسم الدين في الخصومات السياسية”، لافتاً إلى أن هذا الخطاب “يؤسس الهوية على خطاب شعاراتي لتأجيج العواطف، وحشد الناس وراء مشروعه، ونتيجة لهذا المشروع لم ينجح ولن ينجح”. 

وذكر العاني أن الإنسان العربي “يسهل عليه الارتماء في أحضان الجماعات الإرهابية وخصوصاً في وقت الأزمات، والحمدلله تاريخنا كله أزمات، التي تمنحه هذا الاعتراف بالكرامة!”.

وأكد العاني أن التأسيس للكرامة وفقا لقوله تعالى “وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله اتقاكم”، غايته الاحترام والتقوى ولم يتأسس على التعالي والمذهب والطائفة، ولا على الكرامة المستمدة من السلطة والنفوذ والقوة، داعياً إلى الاستفاقة وإنقاذ الإنسان العربي من جنون العنف والتطرف.

ناصيف نصار أحد أعمدة الفكر العربي

وقدم رئيس مجلس أمناء مؤسسة “مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث”، الدكتور عبدالله السيد ولد أباه، شهادة أشاد فيها بالمفكر اللبناني الدكتور ناصيف نصار “أحد أعمدة الفكر الفلسفي العربي وأحد أعمدة الفكر العربي إجمالاً”.

وبين أن عنوانين من عناوين كتب المفكر الكثيرة قد تكون فيها إشارة إلى الهم الفكري الكبير الذي حرك المفكر المتميز الأصيل منذ صدور كتابه الأول في منتصف الستينات حول الإسهامات المشهورة لابن خلدون، إلى كتاباته حول طريق الاستقلال الفلسفي وهو عنوان موحٍ وواضح تماماً، وكتاب “الذات والحلول”، منوهاً إلى أن في الكتابين إشارة إلى العالم الفلسفي الفكري لهذا المشروع النهضوي الرائد.

وتابع ولد أباه “أن المشروع الفلسفي والفكري لنصار ينطلق من هذا الهم الفلسفي؛ أي أن الفلسفة هي طريق لتحقيق ما سماه بالنهضة العربية الثانية، طريق لبناء عصر حواري جديد”.

وأشار إلى أن هذا الهم حرك الدكتور نصار في مستويات ثلاث: الأول الاشتغال على المفاهيم الفلسفية وهذا منحى نادر جداً في الكتابات الفلسفية والكتابات الفكرية العربية؛ لأن الكتابات الفكرية العربية نحت إجمالاً منحى القراءات التاريخية، في حين أن الدكتور نصار اشتغل على أدواته الفلسفية بصفة رصينة ودقيقة ولم يشغله هذا الاهتمام الفكري العام على بلورة هذه المفاهيم واختراعها، والفلسفة هي في إحدى تعريفاتها اختراع مفاهيم كما كان يقول جيل دولوز.

في المنحى الثاني اشتغل الدكتور نصار، وفق ولد أباه، في الحقل التراثي بداية من كتابه الرائد حول ابن خلدون من خلال كتابه الشهير والمهم جدا “حول مفهوم الأمة” الذي قدم فيه حصيلة واسعة وشاملة للمفاهيم المختلفة للأمة في التراث العربي الإسلامي انطلاقاً من القرآن وانتهاء بابن خلدون والمسعودي وغيرهم، وهو في اشتغاله في الحقل التراثي ظل وفياً للهم الفلسفي دائماً في إطار عملية التموضع في الواقع.

أما في الحقل الثالث فيظهر نصار، بحسب ولد أباه، المفكر الملتزم بقضايا الأمة وأن لديه إحساساً قوياً بهموم هذه الأمة ومشروعه الذي يتمحور حول النزعة النهضوية التحديثية، ويظهر هذا الهم في المشروع الواسع للوقوف ضد الطائفية وبلورة فكر حداثي تحديثي متصالح مع أقطاب الأمة، ولكنه ينحاز بصفة واضحة لقيم العلمانية والتحديث والتنوير الجلية في أعماله.

علاقة الدين بالدولة

من جهته أكد مدير مركز الدراسات الاستراتيجية في الجامعة الأردنية الدكتور موسى شتيوي أن الظاهرة الدينية- وبخاصة في بعدها العنيف وفي الصراع الداخلي أو العالمي- فرضت نفسها على العالم، وشغلت كثيراً من السلطات السياسية ودوائر الفكر والبحث.

وتابع شتيوي حديثه إن مؤتمر “مؤمنون بلا حدود” الحالي يحاول بجهود مجموعة من المفكرين والباحثين الخروج بأفكار تساعد في تجنب العنف والصراع الذي يستنزف بلاداً ومجتمعات عربية وإسلامية، كما أدخل العرب والمسلمين في حالة اشتباك مع العالم أدت إلى حروب كبرى وصراعات داخلية وإقليمية لم تتوقف.

وفي علاقة الدين بالدولة والمجتمع، ثمة فكرتان أساسيتان تنظمان هذه العلاقة، وفق شتيوي، هما؛ الحريات والمواطنة، وبخاصة في ظل التعددية الدينية والمذهبية في العالم العربي والإسلامي، ثم فرضت العلاقات الدولية والعولمة منظومة من القيم والمواثيق التي تحتاج إلى نقاش وجدل لنوفق أنفسنا على مستوى الدول والمجتمعات والأفراد مع العالم واتجاهاته، وأن نكون قادرين على المشاركة الإيجابية، مع الاحتفاظ في الوقت نفسه بقيمنا الدينية والثقافية وهوياتنا وخصوصياتنا.

وأشار الأكاديمي إلى أن هناك “تطبيقات عدة في الدول العربية والإسلامية تنتسب إلى الدين، لكنها في الوقت نفسه تتناقض مع الدساتير والقوانين المتبعة في الدول نفسها وتلحق الضرر بالمواطنة والمساواة التي ينص عليها الدستور ولا تنسجم مع التطورات والاتجاهات العالمية”.

ونوه شتيوي إلى أن موضوع العلاقة بين الدين والحياة العامة غدا واحداً “من أهم الموضوعات التي شغلت بها دراسات العلوم السياسية والاجتماعية في الجامعات والمراكز البحوث والدراسات والمؤتمرات والندوات”، فضلاً عن الصحافة والإعلام، وقد شغل الدين في معظم الصراعات والحروب في السنوات الأخيرة موقع القلب فيها، وكانت الدراسة الشهيرة لـ “صمويل هنتنغتون” عن صراع الحضارات التي نشرت في مجلة الشؤون الخارجية الأمريكية قد أثارت جدالاً واسعاً لم يتوقف حتى اليوم.

ونبه إلى أن النظرة العلمية إلى الحالة الدينية يجب ألا تستغرقها ظاهرة الأصولية الإسلامية، فقد تنامت أيضا الأصولية المسيحية واليهودية وربما الأصوليات الأخرى.

وبين أن مؤتمر “الدين والشرعية والعنف” الذي نظمته مؤسستان بحثيتان ممثلتان بمؤسسة “مؤمنون بلا حدود”، ومركز الدراسات الاستراتيجية بالجامعة الأردنية هو مساهمة

للاستجابة لهذه الظاهرة، وتداعياتها في الدول والمجتمعات، وأن نساهم في الخروج من الصراعات المدمرة التي تعصف بالكثير من الدول والمجتمعات العربية ومؤسساتها وإنجازاتها، وإذا كان حل الأزمة يبدأ بفهمها فإننا نسعى أن نضع أنفسنا ومؤسساتنا في البداية الصحيحة.

التصدي للعنف ليس ترفاً

من جهته ألقى الدكتور عزمي محافظة، مندوباً عن رئيس الجامعة الأردنية راعي المؤتمر، كلمة  اكد فيها على أهمية التصدي لموضوع “العنف والشرعية والدين”- عنوان المؤتمر- الذي يشغلنا جميعاً: أفراداً، ومجتمعات، ودولاً ويؤرق العالم من حولنا. لافتاً إلى أن التحديات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي تواجهنا على المستويات الوطنية، والإقليمية، والعالمية، أصبحت تهدد  وجودنا  ومستقبلنا، بل غدت  تؤثر  في  درجة  تقبل  العالم  لنا، وتقبلنا  له، وفي  بناء العقد الاجتماعي المنشئ  للحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية لدولنا ومجتمعاتنا.

وفي حديثه عن “الشرعية الدينية” بين محافظة أن الدين ظل مكوناً أساسياً عندما تشكلت الدول العربية الحديثة، وشهدت   بداية سبعينيات القرن العشرين تشكل حالة جديدة في مسألة الدين والشرعية والعنف حيث ظهرت جماعات سياسية مسلحة خرجت على الدول والمجتمعات، وخاضت باسم الدين صراعات مسلحة مع الأنظمة السياسية العربية والإسلامية   القائمة، فطرأت تغيرات جوهرية في الجماعات والمجتمعات والدول سواء في أنظمتها السياسية والقانونية أو أفكارها  ومواقفها، وبدأت تتشكل للمرة الأولى  منذ  قرون طويلة في عالم الإسلام السنّي ظاهرة  “الشرعية الدينية خارج السلطة  السياسية”، وهي وإن كانت شرعية متعددة  ومنقسمة، بعضها سياسي واجتماعي وبعضها قتالي متطرف، فقد خلفت   سلسلة من الصراعات الداخلية التي هددت الاستقرار  السياسي والسلم الاجتماعي، أو شكلت أنظمة سياسية جديدة مستندة إلى شرعية دينية مختلفة اختلافاً كبيراً عن الشرعية الدينية التقليدية التي درجت عليها أنظمة الحكم والسلطة منذ فجر التاريخ  الإسلامي وحتى  اليوم.

وأشاد محافظة بالدور الذي تضطلع به مؤسسة “مؤمنون بلا حدود”، سيما في مؤتمرها الحالي، في المساهمة في حماية الفكر والثقافة من مشكلات السياسة والتاريخ، للاستفادة من دروس تجربة المذاهب والفرق في تجنب الصراعات والفتنة الكبرى التي مازالت تستنزف الوعي والموارد، بل وتهدد وجودنا عرباً ومسلمين، كما تهدد أيضاً موقعنا البناء في العالم.

وعدد محافظة مخاطر الإرهاب، الذي يمارس باسم الدين، حيث “تُحصَد الأرواح بأبشع مظاهر القتل والتنكيل وحتى بعد الموت تدمر مكونات مجتمعاتنا: فكراً وثقافة وروحاً”، متابعاً حتى التراث العربي “لم يسلم من التدمير بطريقة مستفزة تنم عن الجهل والتخلف والهمجية بأبشع صورها”. داعياً إلى “توسيع دائرة الفهم الصحيح للدين وروحه السمحة، فما كان الدين يوماً إلا تجسيداً لقوله تعالى: “وما أرسلناك إلا رحمة للعاملين” وقوله تعالى” ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك”.

 وأكد ان التصدي للعنف والتطرف بأشكاله المختلفة “لم يعد ترفاً فكريا أو سلوكًا اختيارياً”، مبيناً أنه في غياب التفاعل الصحيح بين التدين والسياسة والفكر وأسلوب الحياة، سوف تؤدي بنا موجات العنف والكراهية إلى مصير مظلم وربما نخسر بسببها كل شيء.

وأثنى محافظة على رسالة مؤسسة “مؤمنون بلا حدود” في توضيح المعاني السامية للدين، وكشف الأفكار الضالة التي توجه شباب المستقبل نحو مسارات غير صحيحة، وتكريس معاني المحبة والتآخي والمودة نقيضاً لمفاهيم الكراهية والحقد وإقصاء الآخر وتهميشه باسم الدين.

وأشاد محافظة بالمفكر اللبناني الدكتور ناصيف نصار الذي يستحق عن جدارة أن تكرمه المؤسسة هذا العام، مبيناً أنه “علم مرموق من اعلام الفكر العربي وفيلسوف من اساتذة الحداثة الذين وضعوا الأسس الوطيدة لمدرسة عربية في الفلسفة منبثقة من مشروع نقدي تحليلي يتجه إلى الدعوة إلى تكوين مجتمع عربي جديد٬ بعيد كل البعد عن العنصرية والتعصب ورفض الآخر”، مبيناً ان نصار أغنى المكتبة العربية بمؤلفاته وساهم مساهمة كبيرة في تقدم الفكر والفلسفة على المستويين العربي والعالمي.

هذا ووقف الحضور دقيقة صمت لروح العلامة اللبناني هاني فحص الذي لطالما كان داعماً للمؤسسة في مشروعها التنويري وخاصة في قضايا الحوار والتعايش.

يشار إلى أن “مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث”، وهي مؤسسة بحثية تأسست في العام 2013 وموقعا في الرباط، تسعى إلى تنشيط البحث المعرفي الرصين في الحقول الثقافية والمعرفية عموماً، والدينية خصوصاً. وتتكثف اهتماماتها في دراسة منظومة الأفكار المؤسِّسة للعقل الثقافي الكلي، وتسعى في الشق العملي إلى اختبار اجتهادات المفاعيل الثقافية والفكرية والمجتمعية في الفضاء العربي الإسلامي، نظرياً وواقعياً.

وتسلك إلى ذلك سبيلَ النقد المنفتح والفعال في مراجعة الأفكار كافة، دون انحياز إلا لما يهدف لمصلحة الإنسان في واقعه ومعاشه.

وقد أصدرت المؤسسة، في سبيل تحقيق ذلك، مئات الدراسات والأبحاث والمقالات، ونشرت عشرات الكتب، ونظّمت العديد من الندوات العلمية.

كما يصدر عن المؤسسة مجلتان فصليتان، الأولى “يتفكّرون”، وهي ثقافية فكرية، والثانية “ألباب” وهي مجلة محكّمة معنية بالدين والسياسة والأخلاق.

وأطلقت المؤسسة أيضاً صحيفة “ذوات” الثقافية الإلكترونية، ومجلة “ذوات” نصف الشهرية وهي مجلة ثقافية فكرية.

مؤسسة مؤمنون بلا حدود من وجهة نظر المفكر ناصيف نصار:

أعرب المفكر اللبناني الدكتور ناصيف نصار عن سعادته بمشروع مؤسسة “مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث” المنفتح انفتاحاً جدياً بين الدين والفلسفة، مؤكداً أنه منفتح على إيمان المؤسسة “بلا حدود”.

وقال الدكتور نصار، الذي كرّمته مؤسسة “مؤمنون بلا حدود” في مؤتمرها السنوي الثالث الذي عقد الجمعة 4  (سبتمبر) الجاري في العاصمة الأردنية عمّان في فندق لاند مارك، إنه مسرور بهذا التكريم، لافتاً إلى أنه مدين لهذه المؤسسة بهذا التقدير الذي تبديه تجاه أعماله والفلسفة عموماً.

وتحدث الدكتور نصار في جلسة افتتاح المؤتمر الذي أقيم بالتعاون مع مركز الدراسات الاستراتيجية في الجامعة الأردنية تحت رعاية رئيس الجامعة الأردنية د.اخليف الطراونة، عن مفاصل من مسيرته، منوهاً أنه حتى الآن لم يقرر أن يكتب سيرته الفلسفية لكي يطرح من خلالها رواية شخصية للأحداث وللأسباب والدوافع والمراحل والأطوار والإنجازات التي يتضمنها هذا المشروع.

وعّرج الدكتور نصار، على ذكر إضاءات من مسيرته بمناسبة تكريمه، علّ المهتمين بالمشروع الفلسفي من الشباب يستفيدون منها، فهي ليست مسيرته وحده، بل سيرة جيل، وفق قوله.

ولفت المفكر إلى أنه سعيد من ناحية المصادفة التاريخية أنه نجح في مرحلة الستينيات من القرن المنصرم بأن كانت بيروت مدينة أمل، مدينة النشاط والإشعاع والتفاعل، فضلاً عن مرحلة الدراسة في باريس، مبيناً  أن مشروعه الفلسفي هو وليد تلك المرحلة، إذ نشأ وترعرع وتكوّن وتحدد هناك، وما جرى بعد ذلك إنما كان عبارة عن تكييف للبرامج لا أكثر ولا أقل، بحسب ضرورات وتطورات المرحلة التي حصلت.

وذكر الدكتور نصار حادثة شخصية للمرة الأولى يتكلم عنها، وهي مصادفة عجيبة فائقة الأهمية بالنسبة له شخصيا لأنها لم تمح من ذاكرته في أي لحظة من لحظات حياته وإلى الآن، قائلاً: “عندما كنت هناك أنشر أطروحتي في السوربون في 7 حزيران 1967 وهي تحمل ما تحمله بأطروحتيها؛ أطروحة كبرى وأطروحة صغرى، بهم فكري وبطموح إلى الإبداع الفلسفي في العالم العربي، في تلك اللحظة سقطت القدس بيد الصهاينة، وهذه المصادفة التي تدل في أحد جانبيها على شعور بالانتصار أو إرادة الانتصار والطموح، وفي جانب آخر على الانكسار والهزيمة، هذه اللحظة كانت حبلى بمشاعر متناقضة رافقتني كل حياتي ولم أدر بالضبط تأثير هذه اللحظة لاحقاً في حياتي بالتفصيل، ولكني كنت دائما متبرمجاً بين طموح الانتصار عبر الفلسفة وللفلسفة وشعور بالانتكسار والهزيمة، ومنذ ذلك الزمان رافقتنا الهزيمة ولا تزال منذ ذلك التاريخ نتطور في الهزيمة وربما انتقلنا من هزيمة إلى هزيمة أكبر”.

وأردف المفكر إن “الأزمة هي موطننا منذ ذلك الزمن، ورفضت أن أستوطن تلك الأزمة منذ ذلك التاريخ فكانت كل محاولاتي الفلسفية بعد ذلك بقليل كتاباً موضعه لبنان، وعنوانه نحو مجتمع جديد، وفي عنوان الكتاب ما يكفي للدلالة على أني رفضت أن أستسلم للهزيمة والانكسار، وحاولت منذ ذلك التاريخ أن أخوض مشروعي الفلسفي من أجل بناء خطة عربية تتقد عن الأزمة بمعناها الحضاري الشامل وليس فقط على الصعيد العسكري والسياسي والاجتماعي، إلا أنني ارتأيت أن أفعل ذلك على المستوى الفلسفي بأدوات فلسفية حتى يكون للفلسفة دورها الخاص الفاعل في هذه المرتبة، وهنا بدأت المشكلات وبدأت المصاعب وبدأت التساؤلات وبدأت الاعتراضات ومن أجل ذلك حاولت أن أصوغ منهجاً للبحث الفلسفي، منهجاً أتوجه في ضوئه في التفعيل الفلسفي كي أكون أميناً لما تعلمته منذ الستينات.

وأشار الدكتور نصار إلى أنه لا دوغمائية في هذا المنهج ولا حدود قارة مستقرة نهائية وإنما هو منهج مطروح في إطار هذه المرحلة من تاريخ الثقافة العربية ووضعيتها الحضارية في علاقتها أمور، موضحاً أنه يرفض أن يذعن لأي مدرسة فلسفية قديمة أو حديثة أو معاصرة والرفض هنا هو رفض للتبعية فقط ولكنه ليس رفضاً لتاريخ الفلسفة وللتواصل الذي يحمل على التاريخ من بدايته حتى نهايته.

وبين أنه ما يزال يعمل على تطوير بعض النظريات الفلسفية المكملة لهذه النظريات العامة، راجياً أن يكون من بين الحاضرين من يسبقه في تطوير هذه النظريات، وفي الإضافة إليها “كي نشق في إطار الصداقة العربية طريقاً واسعاً للفلسفة، وحتى نخدم بهذه الطريق ثقافتنا ومجتمعاتنا ونشارك وبجدارة وبفاعلية في بناء الحضارة الإنسانية”.

وتوقف المفكر في معرض إشادته بمؤسسة “مؤمنون بلا حدود” عند اسمها، مبيناً أن ثمة التباسات وأسئلة تحوم حول هذا العنوان، للقراءة الظاهرية له، سيما عندما يتبادر للذهن أطباء بلا حدود، ومراسلون بلا حدود، غير أن هناك اختلافاً بين هاتين الحالتين، ففي الثانية هناك حدود قوية سياسية يريد الأطباء والمراسلون أن يتجاوزوها التي تعتبر عائقاً إما تأدية الواجب الطبي باسم الإنسانية وإيجاد الخبر والمعلومة باسم حرية الإعلام والمعرفة، لكن الإيمان بلا حدود ما هو؟ ما هي الحدود التي يطلب أن تتجاوزها أو يتجاوزها الإيمان، وأي إيمان بطبيعة الحال؟ ذلك أن الإيمان المقصود هنا هو الإيمان الديني وبخاصة الإيمان الإسلامي، وهنا تطرح أسئلة كثيرة، ما هو المقصود بالضبط بالحدود التي ينبغي تجاوزها؟ أو تريد هذه المؤسسة أن تتجاوزها لتأمين طريق الإيمان ولتأمن لنفسها حرية الإيمان.

وحول اسم “بلا حدود” قال: “هناك خطان يتبادران إلى ذهني لتأويله، الأول هو أن تكون هذه المؤسسة إيمانية بحرية من حيث إنها تميزها عن غيرها، فالحق دوري للهوية فهل هذا هو المقصود، بالطبع لا، وهناك خط آخر لتأويل هذه العبارة إيمان بلا حدود إذا قسناه على دولة بلا حدود، فالدولة الأمريكية دولة محمية من حيث الحدود القومية ولكنها بلا حدود من حيث سياستها الامبراطورية في العالم، وكذلك اسرائيل شيء من هذا، فهي لا تعرف ما هي حدودها ولا تريد أن تعرف ما هي حدودها، فهل “مؤمنون بلا حدود” تعني أن إيمانها مرشح أو طامح إلى الانتشار والسيطرة وبالتالي إلى القمع والإقصاء ومحو ما يختلف عنه؟ بالطبع لا”.

وأردف: “يبدو لي أن المقصود هو غير ذلك كليا فالمعنى الذي يتبادر إلى الذهن ويجعل هذا الاسم معقولاً ومقبولاً وقابلاً لأن يكون له حضور، هو أن الحدود هنا هي الحدود العازلة والحدود المغلقة الفاصلة، فالإيمان الديني بلا حدود عازلة، مرشح أو مطلوب منه أن ينفتح على الاختلافات في إطار الدين الواحد ثم في إطار الآلهة، فالحدود العازلة المرفوضة هي حدود بين الأديان، وربما أكثر من ذلك وبهذا المعنى يلتقي الدين مع الفلسفة أو مع العلم.

مداخلات المؤتمر:

تميز اليوم الثاني من المؤتمر السنوي الثالث لمؤسسة “مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث”، المنظم بالعاصمة الأردنية عمان يومي 4 و5 سبتمبر (أيلول) 2015، بالتعاون مع مركز الدراسات الاستراتيجية بالجامعة الأردنية حول موضوع “الدين والشرعية والعنف”، بالنقاش الحاد والمثمر بين الباحثين وحضور المؤتمر، وبتعدد المقاربات التي قدمت لهذا الموضوع الشائك، الذي بدا للعديد من الباحثين أنه كلما تم الاقتراب منه، كلما استدعى الأمر مراجعة العديد من المفاهيم التي أفرغت في هذا العصر من محتواها، وهو ما يتطلب إعادة قراءة ومراجعة للكثير من المفاهيم والقراءات المتداولة نفسها لنصوص بعينها إما من قبل هذه الجهة أو تلك.

وإن كان من مزية لهذا المؤتمر، كما ورد على لسان المحاضرين والمساهمين في إغناء نقاش الجلسات العلمية لليوم الثاني من أشغاله، فهي التنوع الذي ميز كل أطروحات المشاركين وغناها، بل تباينها في بعض الأحيان، وفتح المجال للرأي والرأي الآخر، ما دام العنف يتولد عن الإقصاء والتهميش.

العنف، الشرعية، الشرع، الدين، القوة، الطبيعة، الجدلية، والنص القرآني نفسه، كلها مفاتيح لمداخلات الجلستين العلميتين اللتين ساهم فيها كل من الكاتب والمفكر التونسي محمد محجوب، والمفكر الفرنسي المغربي طارق أوبرو، والأستاذ الجامعي الأردني علي محافظة، والأكاديمي والباحث اللبناني وجيه قانصوه، والمثقف والإعلامي التونسي صلاح الدين الجورشي، والباحث المغربي محمد بنصالح.

ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك

خص الكاتب والمفكر التونسي محمد محجوب مداخلته في الجلسة الأولى من اليوم الثاني من المؤتمر السنوي الثالث لمؤسسة “مؤمنون بلا حدود” للحديث عن الآيات القرآنية التي تتناول قصة قتل قابل لهابل (من الآية 27 إلى الآية 38 من سورة المائدة)، محاولا تفسير تأويلية العلاقة القرآنية بين قرار القتل العنيف، وقرار الامتناع عن القتل من جهة، وبين القاعدة العامة التي تطالب برؤية القتل الفردي في أفق الإنسانية، وفي أفق القاعدة العامة لحرمة النفس الإنسانية.

وبعد تقديمه للتمفصلات الرئيسية التي تخص ورقته الأكاديمية، والتي تقدم مجموعة من الدواعي النظرية، والاستشكال الذي يتعلق بالآيات التي تقترح قراءات تأويلية لها، ذكر أن سؤال الأسئلة في هذه الورقة هو سؤال القانون الكلي، متسائلا: ما الذي تتأسس عليه كلية القانون الخلقي الذي يرى في النفس الفردية مساويا للناس جميعا؟

وأشار محجوب إلى أن كل نص ينتمي إلى آخر فهو إذن موضوع للتأويلية، ما ينتح عن ذلك: أولا الإقرار بأن النص الموضوع للتأويل يمتد إلى كل ما يقع داخل اللغة، وثانيا توسيع مجال التأويلية والتحول الأساسي الذي طرأ عليها، مبرزا أنه لا يكون تمة فهم إلا إذا كان هناك تملك للنص، وأن التأويلية القديمة كان همها الأساسي هو رفع عدم الفهم عن كل نوع من أنواع النصوص، وإذا كان هناك قصور أو عدم استيفاء لمخزون النصن فالعيب برأي محجوب لا يعود لصعوبة النصوصن لأن جتى النصوص البسيطة معرضة هي أيضا لسوء الفهم.

وعرض محجوب تجربة فهم الآيات المتعلقة بقصة قتل قابل لهابل في سورة المائدة من الآية 27 إلى الآية 32، من قوله تعالى: “واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق…ثم إن كثيرا منهم بعد ذلك في الأرض لمسرفون”، واعتبرها “تجربة لعدم فهم يعتري الفهم”، مركزا على تفسير الطاهر ابن عاشور الذي يبدو متناقضا كغيره من التفاسير الأخرى التي مرت بسرعة غير مقنعة على تفسير ما ينسب إلى المقتول، ولم تقم بتفسير مستوى تحول الخطاب من قتل شخص لشخص إلى قاعدة كلية كتبت على بني إسرائيل.

وخلص محجوب إلى أن ابن عاشور وغيره من المفسرين الذين تلوه قدموا تأويلات فيها خلل في فهم تسلسل الآيات، بينما المطلوب، كما يقول الباحث فهم إنساني وليس رباني، لهذا قال: “لا شك أن التشريع الفقهي/القانوني أداة تنظيم الحياة. ولكن أرقى من القاعدة القانونية وفوقها بكثير تقوم القاعدة الأخلاقية أساسا لتشريع قانوني لا يمكنه أن يتحجر في هذا الحكم أو ذاك، لأن أولوية القاعدة الأخلاقية هي التي تعطي إمكانية لا نهائية التشريع، أعني إمكان تجدده إلى أن يرث الله الأرض وما عليها”.

وانطلاقا من تركيزه على القاعدة الأخلاقية التي تعطي لانهائية للتشريع، قال إن تشريع القتل أخطر من القتل نفسه،  متسائلا:مع تجاوز الحرمة البشرية ألا نكون قد أعطينا الشرعية للعنف؟

العنف بين الطبيعة الإنسانية والنصوص الدينية

ومن جهته تناول المفكر الفرنسي من أصول مغربية، طارق أوبرو موضوع “العنف بين الطبيعة الإنسانية والنصوص الدينية”، وقام بتحديد العديد من المرادفات للعنف وعلى رأسها القوة، والتعسف في استعمال القوة، معتبرا أن القوة كامنة في الكون، ومن الإنسان مرورا بالحيوان فالقوة لا تخضع للقيم الأخلاقية، بل استعمالها هو الذي يخضع لذلك.

وأشار أوبرو إلى أن القوة تحكم توازن المادة، فإذا تلاشت أنتجت القنبلة الذرية، وإذا انكسرت الذرو حصل عن ذلك الانفكاك والفوضى، وأنه في غياب العنف الطبيعي الفيزيائي تنشأ الفوضى في العالم.

وأضح أوبرو أن من يرغب في معرفة الإنسان ودراسته عليه أن يفهم الحيوان، لأن القرآن قد أصل لهذا الأمر، ونبه بشكل مبكر إلى ضرورة السيران في الأرض، والانتباه إلى الحيوان، لأن طبيعته من طبيعة الإنسان، كما أن الفكر الإسلامي قد ابتدأ بالنظر في الحيوان مع الجاحظ ومن تلوه فيما بعد.

وقال أوبورو إن “الحيوان مدرسة والعنف من طبيعته، إلا أن الحيوان لا يقتل إلا ليأكل، والحيوانات لا تقتل إلا من كان خارج جنسها إلا نادرا، والحيوان لديه أخلاقيات، إنه لا يقتل إلا دفاعا عن نفسه أو تحت الضرورة، إنه العنف المشروع”.

وبهذا الخصوص أشار إلى دراسات حديثة وعلوم تبحث في الحيوان وسلوكياته، وهي متأخرة مقارنة مع الفكر العربي العتيق، الذي انتبه إلى تصرفات الحيوان وغرائزه، والتي تفسر غرائز الإنسان.

وأكد أوبرو أن العنف الأنثروبولوجي أو المشروع  مرادفه هو الجهاد، وهذا الأخير نوع من العنف المشروع، وفيه نوعين: عنف فكري وصفه القدماء بالاجتهاد، وهو أن يبلغ الإنسان وسعه في التفكير، ويدخل فيه جهاد النفس الذي يمارس من خلاله الإنسان نوعا من العنف المشروع ليضبط شهواته. أما النوع الآخر من الجهاد نجده في القرآن ونصوص الدين وهو “رد العدوان”، لكن الإشكال لدينا كما قال أوبرو يكمن في “الجهاد المسلح” الذي لا يمكن أن يستعمل بمعنى القتال إلا في إطار “دولة”، أما الجماعات فليس من حقها القيام بالعنف، لأنه عنف أنثروبولوجي لا غير.

وأوضح أوبرو أن مقاصد الإسلام السلم وليس الحرب، وأنه طُلب من المسلمين ألا يبحثوا عن الحرب، وأن ينأوا بأنفسهم عنها وعن الاقتتال، مؤكدا أن القتال شُرع في الإسلام من أجل استتباب الأمن، وأنه جاء من أجل رفع الظلم وتخليص المستضعفين في الأرض. وقال إنه بالإضافة إلى التقسيم المدني والمكي الذي عرفت به سور وآيات القرآن الكريم، يمكن اعتماد التقسيم الكوني والظرفي، والذي يمكن من خلاله قراءة الواقع، لأن من أخطأ الواقع أخطأ التأويل.

وأكد أوبرو أن القرآن كتاب مفتوح، وأن الخروج عن سياج النص ليس خروجا عن الدين، لأن النص القرآني نفسه يحيل على معارف كثيرة، وعلى أشياء تسمح بالفهم   ( وانظروا في السموات والأرض… وسيروا في الأرض)، معتبراً أن الخطأ ليس في المصدر، بل في تلقي المصدر وتأويله. 

الجذور الفكرية لحركات الجهاد الإسلامي

أما الأستاذ الجامعي الأردني، علي محافظة، فقد استعرض في مداخلته المعنونة بـ “الجذور الفكرية لحركات الجهاد الإسلامي السلفية الراهنة”، المراحل التي مرت منها السلفية، وحددها في ستة مراحل: مرحلة الإمام ابن حنبل مؤسس الدعوة السلفية، ومرحلة ابن تيمية أثناء الحروب الصليبية، ومرحلة الشيخ محمد بن عبد الوهاب في نجد والحجاز مع السلفية التوحيدية، ومرحلة التيار السلفي وجماعة الإخوان المسلمين في القرن العشرين أثناء الحرب العالمية الأولى وانهيار الإمبراطورية العثمانية، ومرحلة خامسة مع سيد قطب والتيار الذي ولد داخل الإخوان المسلمين، ثم مرحلة انبعاث السلفية من جديد بعد هزيمة العرب في يونيو(حزيران) 1967، وإعلانها الجهاد المسلح، واتخاذه سبيلا للتغيير.

وأشار محافظة إلى أن معظم الحركات السلفية الإسلامية السنية تعود إلى دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، التي ظهرت في القرن الثامن عشر الميلادي، والتي أسفرت عن قيام الدول السعودية الثلاث، مثلما تعود معظم الحركات الجهادية الشيعية إلى دعوة الإمام روح الله الخميني التي قامت على فكرة ولاية الفقيه، وأسفرت عن قيام جمهورية إيران الإسلامية عام 1979.

وأوضح محافظة أن السلفية عبر تاريخها اتسمت بسمات معينة هي: الدمج بين عقيدة التوحيد والحاكمية الإلهية، والدمج بين تجربة الجهاد في أفغانستان والجهاد في مصر وسوريا والعراق، والـلجوء إلى منهج الإخوان في كتابة البيانات، ونشر الشرائط المسجلة وغيرها من الأمور، وتقديم المنهج الجهادي، والتماهي النظري والعملي بالمرجعية السلفية.

وخلص إلى أن التعصب المذهبي لن يطول، وأن الحركات المتعصبة لا بد أن تخبو ولا بد أن يحل محلها السلم والسلام، شريطة توفر شروط معينة لم يفصح عنها في مداخلته.

النص الديني ورهانات المعنى السياسي

“النص الديني ورهانات المعنى السياسي” كان هو موضوع مداخلة  الأكاديمي والباحث اللبناني وجيه قانصوه، الذي أشار إلى أن العنف الديني يكتسب شهرته هذه الأيام بفعل ما تشهده الساحة العربية والإسلامية من ممارسات عنف غير مسبوقة، تتميز بالاستناد إلى الشرع والتجربة النبوية والمنظومة الفقهية، وتساءل عن تكرار ظاهرة العنف وعن الكيفية التي يمكن الانتهاء منها.

وأوضح قانصوه أن من الضروري إعادة قراءة القراءات التي قدمت حول النصوص القرآنية حتى يتم إنتاج معرفة جديدة، مبنية على متطلبات العصر، وتكون مساهمة في تطويره لا في تأخيره بشكل كبير، خاصة أن العديد من الجماعات الإسلامية العنيفة لا تكتفي بتداول النصوص الدينية بصيغتها الخامة، بل تقدم استدلالات واستنباطات تدعم أعمالها مستوحاة من فقه ابن تيمية، وابن قيم الجوزية، وغيرهم.

وشدد الباحث اللبناني على ضرورة الانتقال من شروط قراءة النص الديني، إلى البحث في شروط قراءته الصحيحة، القراءة المستقيمة التي تتماشى مع المتغيرات والأزمات المتلاحقة التي تعرفها الأمة الإسلامية، مشيرا إلى أنه في عهد النبي كانت هناك قراءة حصرية دلالية للنص الديني، لكن بعد موت النبي أصبحت الدلالات لامتناهية، والذي يرجح دلالة دون أخرى يعتمد على مرجع خارجي جمعي، ولا يعود إلى النص.

وخلص قانصوه في نهاية مداخلته إلى ضرورة الاهتمام بالفضاء الدلالي الذي يتحرك داخله النص الديني، بما فيه القارئ، مستدلا على الجبرية التي عبرت عن نفسها في التاريخ بلحظة ساذجة، وبعدها بلحظة سياسية مع الجبرية السياسية، التي يعيد إنتاجها الخطاب الإسلامي باستمرار.

العنف في الخطاب الديني والأسئلة الحارقة

أكد المثقف والإعلامي التونسي صلاح الدين الجورشي أن المشهد في العالم العربي الإسلامي يتسم اليوم بدرجة عالية من العنف، قائلا إن هذا العنف يسائلنا جميعا دون استثناء، وأن من يعتقد أنه خارج دائرة النقد والمراجعة والمساءلة فهو واهم، وعليه أن يراجع نفسه.

وأضاف أن الحديث اليوم هو عن الاختيار الأمني، وأن المعالجة الأمنية للوضع تشبه معالجة داء السرطان، ومن نتائجها القدرة على إضعاف مناعة الجسم، ولهذا، كما أشار، فنحن يجب أن ننتبه قبل الدخول في اتفاقيات دولية لحماية أنفسنا، لأن الانخراط فيها قد تكون له انعكاسات خطيرة على مجتمعاتنا، ومثل على ذلك بالميزانية المرتفعة التي ترصد في بلده تونس لوزارة الدفاع، والتي لا يخصص ولو جزء يسير منها للتعليم والثقافة، والتي صارت تتوارى في البلدان العربية الإسلامية بشكل كبير.

لماذا استشرى العنف في بلداننا؟

عن هذا السؤال يجيب الجورشي أن أسباب العنف عديدة، وأن العنف متجذر في التاريخ، فتاريخ الاستبداد قديم، والدولة التي تشكلت بعد الاستقلال فيها من مخزون العنف الكثير، كما أن هناك نظاما دوليا يولد العنف، ولكن رغم عنف الدولة والمنظومة الدولية، فإن العنف الدولي الذي تتبناه الجماعات الإسلامية لن يدوم، ولكنه لا يستهان به، لهذا وجب الخروج منه بدروس وعبر، كما أن فشل التجارب العلمانية لا يمكن القفز عليها، فهي ليست خارج دائرة المساءلة، لأنها فشلت في فصل الدين عن الدولة، وفشلت في إقامة دولة ديمقراطية علمانية.

وأشار الجورشي إلى أنه على الرغم من الجهود الضخمة التي أقدمت عليها المجتمعات الغربية، فقد فشلت في جعل الإيمان والدين مسألة هامشية، أو شأنا خاصا. أما في المجتمعات الإسلامية فإن الأمر يبدو أكثر تعقيدا، وأكثر قابلية للانتكاس، لأن ظاهرة العنف الديني ما تكاد تخبو حتى تعود من جديد وبقوة أكثر من السابق، وهو ما يحدث معنا اليوم، حيث صار الوضع في العالم العربي الإسلامي مصدر قلق عالمي، خاصة مع القاعدة، والآن مع دولة الخلافة الإسلامية، أو ما يعرف بـ “داعش”.

وخلص الباحث التونسي إلى أن هذه الظاهرة ليست دينية بالأساس، بل هي سياسية واجتماعية، غير بعيدة عن مجال التأويل الديني، وأن مشروع حركات الإسلام السياسي قد فشل، وأن هذا الجزء الأخير منها والمتمثل في القاعدة وداعش قد فشل أيضا في الدعوة إلى “تحكيم الإسلام”، ولهذا دعا في نهاية مداخلته إلى الاعتماد على مفهوم الدولة الوطنية لأنها هي الملجأ الأخير، وإلى اعتماد رؤية لا تقوم على الإقصاء، وإعطاء الأهمية للفضاء الديني وعدم تسليمه للجماعات الإسلامية وإعادة بناء الفضاء الديني، مع تعميق الدفاع عن القيم الأساسية التي من دونها لا يمكن أن نعيش وهي: الحرية، وحقوق الإنسان، وتعميق التعايش المشترك فيما بيننا.

جدلية الشرع والشرعية

ناقش الباحث المغربي محمد بصالح في نهاية الجلسات العلمية للمؤتمر السنوي الثالث لمؤسسة “مؤمنون بلا حدود”، التمثلاث الإسلامية والسياسية للشرع والشرعية، وتمظهراتهما في تاريخ العنف السياسي في المجال العربي الإسلامي، وحاول تفكيك العلاقة بين المعرفة والسلطة ودراسة دورها ودور الاصطفافات الأيديولوجية في التاريخ العربي الإسلامي في ضمور المباحث السياسية في المدونات الفقهية، وجمودها أمام حركة التاريخ وحركية المجتمع.

وأكد الباحث المغربي أن الحديث عن الشرع والشرعية يستدعي الحديث عن العنف الذي كان نتيجة لصراعات أيديولوجية على الشرعية، تحولت على مدار التاريخ إلى “عنف مقدس” ما زالت بعض ارتداداته تهز العالم العربي الإسلامي اليوم.

وخلص بنصالح إلى أن السؤال الكبير هو: هل هو أزمة عنف أم أزمة جنوح إلى العنف، أم أزمة إسلام تنويري؟

الجلسة الختامية لمؤتمر “الدين والشرعية والعنف”: نحن أمام عنف معولم عابر للحدود!

طالب مفكرون عرب في ختام المؤتمر السنوي الثالث لمؤسسة “مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث” الذي عقد في العاصمة الأردنية عمّان يومي 4 و5 أيلول (سبتمبر) الجاري، بضرورة إيجاد مشروع عربي جامع يتصدى للعنف الذي يجتاح المنطقة العربية. ودعوا لاستعادة الدور الريادي للمثقف والمتنور لتعزيز سلطة الدولة المدنية، وإرساء مفاهيم الحرية والعدل.

وأكد المفكرون الذين جمعتهم جلسة حوارية في ختام المؤتمر الموسوم بـ “الدين والشرعية والعنف” على أهمية وجود نمط سياسي وثقافي جديد يأخذ بالاعتبار كل العوامل المؤدية للعنف، دون تجاهل الواقع الاجتماعي والسياسي الذي يلعب دوراً محورياً في التأويل العنيف للنص، فالمسألة الدينية لها “تحقيب” يجب أخذه بالاعتبار، ولا بد أن تتضافر جهود الباحثين لدراسة كيفية تغير الفكر الديني على مر التاريخ حتى نفهم الواقع الحاضر.

وكانت مؤسسة “مؤمنون بلا حدود” اختتمت مؤتمرها السنوي الثالث الذي عقد بالتعاون مع مركز الدراسات الاستراتيجية في الجامعة الأردنية، بجلسة حوارية ضمت نخبة من المفكرين العرب وهم: الدكتور إدريس بنسعيد من المغرب، والدكتور ناصيف نصار والدكتور رضوان السيد من لبنان، والدكتور عبدالمجيد الشرفي والدكتور احميدة النيفر من تونس، والمستشار الدكتور عبد الجواد ياسين من مصر.

وقامت الجلسة الحوارية التي أدارها الدكتور التونسي نادر الحمامي، على جملة من التساؤلات والتفاعلات بين المتحاورين، واختتمت بالرد على أسئلة الحضور حول موضوع المؤتمر العام، مركزين على مناقشة جذور العنف المتدثر بثوب الدين الذي نعيشه وأسبابه ودوافعه وكيف يمكن أن نجابهه.

دين يتجاوز الوطن والزمن

في البداية وفيما يتعلق إن كانت المجتمعات التي نعيشها مهيأة للعنف الذي نعيشه قال د.إدريس بنسعيد: لا يوجد هناك مجتمعات عنيفة وأخرى غير عنيفة، فالعنف ظاهرة طبيعية في أي مجتمع، لكن المشكلة في الطريقة التي يتم فيها تسييره باسم الدين، في ظل عدم توافر الإسلام  على الأقل السني “كنيسة مرجعية” أو مؤسسات ضابطة للتفسيرات الدينية. والإسلام بطبيعته يغير في المجتمعات وعلاقاته ويتفاعل معها بالممارسة ويتأثر بها، والمشكلة تبدأ عندما تختل هذه المعادلة وتظهر جماعات داخله تخلق لها ديناً يتجاوز الوطن والزمن.

وذهب بنسعيد إلى أن مكافحة العنف يجب أن تكون من خلال مؤسسات الدولة وليس بمنطق ديني؛ فالقرآن نص يحكمه منطق التأويل، وبالتالي قد يجمع في المسألة الواحدة تفسيرات كثيرة قد تكون أحياناً متناقضة، ولنا عبرة في خلافة الإمام علي والخوارج الذين حاجوه بالقرآن، وتساءل: ما المقصود بالإسلام الصحيح؟ هذا سؤال ما فتئ يطرح معضلة تاريخية في التأويل في دائرة لم نستطع الخروج منها حتى الآن دون أن ترتبط بمكان أو زمان محددين. فما نزال نعيش مشكلة “دار الإسلام ودار الكفر” التي وصلت حد إعلان الحرب أهل الوطن الواحد.

عنف معولم عابر للحدود!

من جهته أكد الدكتور احميدة النيفر أن العنف الجديد الذي نعاني منه مشكلته تكمن أنه “عنف معولم” عابر للحدود بسبب معطى سهولة التواصل الذي لم يكن موجوداً سابقاً، فأخذ يخترق المجتمع والدولة وكل مؤسساتها القديمة، وهو يرتبط بفهم خاص للدين وثقافة لم تدرس علمياً حتى الآن. والشرعية دوماً مرتبطة بالدولة التي تعيش عربياً ضعفاً غير مسبوق فقدت معه ثقة الناس، وأخذت تعبر عن عجزها بالقمع تجاه الشعوب، إذن نحن نعيش مشكلة مركبة؛ من الجانب المعولم، والجانب التراثي، والواقع الاجتماعي والثقافي يفسر العنف الحالي، لذلك ببساطة نحن بحاجة إلى نمط سياسي وثقافي جديد يأخذ بالاعتبار كل هذه العوامل لأن النمط القديم أثبت عجزه ومحدودية إدراك ما يجري حوله. لذلك يجب ألا نتجاهل الواقع الاجتماعي والسياسي الذي يلعب دوراً محورياً في التأويل العنيف للنص، فالمسألة الدينية لها “تحقيب” يجب أن نأخذه بالاعتبار، ولا بد أن ندرس كيفية تغير الفكر الديني على مر التاريخ حتى نفهم الواقع الحاضر.

أي مرحلة بالضبط نعيش؟

وحول النقطة الأخيرة تساءل د.ناصيف نصار: في أي مرحلة بالضبط نحن نعيش؟ يجب أن نتعرف الممكنات المتاحة أمامنا، وأن نتجاوز الدراسة والبحث التوصيفي، بأن نحدد خطاً فكرياً لقناعات واضحة،.. فالعنف الذي نعيشه يمكن أن نعيده إلى عوامل كثيرة، ولا يفسر بالنص الديني ذاته، المسألة أن الجماعات المتطرفة تسوق نفسها بالدين انتقائياً آية من هنا وحديث من هناك وقول فقيه بما يخدم ويبرر توجهاتها. لذلك من المهم أن نفكك هذه “العملية الدينية” فالعنف يموت بمقدار ما تخفف جذوره، بأن نحمل رسالة الإسلام عصرياً، ونحتاج أن نركز على مركزيته المتمثلة في الإيمان الذي هو محل إجماع وسط هذا البحر المتلاطم من الاختلافات… فهذا المبحث هو الأضعف في كتب الأصول الإسلامية، لعلنا بذلك نعيد تأسيس لاهوت الإيمان مع الأنا والآخر.

من جانبه رأى د.عبدالمجيد الشرفي أن العوامل التي يمكن أن نعيد إليها استشراء ظاهرة “العنف الديني” متداخلة خاصة في ظل ثورة المعلوماتية التي نعيشها، داعياً إلى الابتعاد عن النظرة الماهوية التي تنكرها الدراسات  السوسيولوجية الحديثة بوسم مجتمع ما بالعنف أو دين بالمحبة.

إكراهات ثقافية وسياسية واجتماعية

ويستدرك المفكر التونسي أن الإسلام في جوهره يتسم بالنظرة الواقعية للعنف المبرر، رداً على العدوان بالمثل في حال التعرض لاعتداء خارجي، ولا يقر العدوان على الآخر، إلا أن الممارسة الفعلية على أرض الواقع كما يخبرنا التاريخ تختلف عن ذلك بسبب إكراهات ثقافية وسياسية واجتماعية، ففي الوقت الذي نرى فيه الخليفة أبا بكر مارس العنف المبرر في حروب الردة، شهدنا تاريخاً طويلاً طوال أربعة عشر قرناً من الحاكم ضد الرعية، أو بين الطوائف الإسلامية المخالفة لها: السنة، الشيعة، القرامطة، الحشاشون.. .

وبين الشرفي أن ظاهرة توظيف الدين لتبرير العنف ليست جديدة وماتزال مستمرة، وهي ليست حكراً علينا وتكاد تكون ظاهرة إنسانية كما في تبريرات الحروب الصليبية ومحاكم التفتيش في الأندلس، وإبادات سكان أميركا الأصليين التي مورست باسم المسيحية التي لم يرد فيها نص يؤيد هذه الأفعال، ونذكر هنا أن مجمع الفاتيكان الثاني وضع حداً لهذه المسألة، ما ينزع المصداقية عن مقولة ربط الدين ذاته بالعنف.

النصوص الدينية ليست مسؤولة عن العنف

وتابع أن النصوص الدينية بحد ذاتها غير مسؤولة عن العنف؛ فقد شهدنا في رواندا قتل قرابة مليون شخص لأسباب إثنية بحتة، وفي كمبوديا ذهب قرابة ربع الشعب في ظل حكم الخمير الحمر لأسباب عقائدية سياسية.

وأردف الشرفي لا بد أن ندرس العوامل التي أدت إلى ما وصلنا إليه موضوعياً: هشاشة الكيانات السياسية التي شاع فيها التطرف، وعامل الثروات البترولية، وجود الكيان الصهيوني الذي من مصلحته استمرار هذه الأوضاع، فضلاً عن دور الصراعات الإقليمية الذي لا يجب إهماله.

واختتم أن “مشكلة التأويل” في الثقافة السائدة لا يرد عليها بالوعظ والإرشاد، ونحتاج إلى دراسة علمية للنصوص الإسلامية المؤسسة لهذا التوجه، ونظرة استشرافية وسياسية تعليمية حصيفة تتلاءم مع المعطيات المعرفية في عصرنا تأخذ بالاعتبار حلولاً على المديين القصير والطويل.

المؤسسات الدينية فقدت الإحساس برسالتها

الدكتور رضوان السيد لم ينكر أن العنف الذي نشهده اليوم باسم الإسلام له تاريخ قديم، لكن لا يمكن تفسيره تاريخياً، فقد حصلت تطورات غير مسبوقة في القرن العشرين عقب انهيار “الخلافة” العثمانية ودخولنا عصر الاستعمار، ما أحدث تفجيراً داخلياً في الإسلام وفقهه انهارت معه التقاليد الدينية الضابطة للمجتمع، وكرد فعل ظهرت عندنا نزعتان باسم الإصلاح: السلفية والإخوانية، ودخلتا في صراع مع بعضهما، ووفر لهما الفشل المتواصل للدولة الوطنية بعد زوال الاستعمار بيئة خصبة للترعرع، وهذا يفسر تمكن الإخوان من اختراق الطبقات الوسطى للمجتمع المصري مثلاً.

ولم يكن مستغرباً ظهور حركات التطرف المعاصرة عقب ثورات الربيع العربي، وفق السيد الذي يشير إلى أنها “ليست وليدة لحظة مفاجئة بل نتاج تراكم ثقافة سرية ولدت ديناً جديداً يُفرض بالعنف”.

وقال إننا كمثقفين في ظل هذا الواقع لم نعمل جدياً في مواجهة تسييس الشريعة للوصول إلى السلطة بتعزيز الدولة المدنية. نحتاج إلى تحويل المفاهيم في ظل أن المؤسسات الدينية فقدت الإحساس برسالتها الحقيقية بهم يفتقد إلى الهمة، وأدعوها إلى إحياء دورها الذي غيب في ظل الحكومات المستبدة.

وأضاف أن عدم وجود دولة مدنية حقيقية سبب رئيسي في تعزيز التطرف، فضلاً عن أننا نفتقد مشروعاً عربياً جامعاً، وهذا الأمر يحتاج بلا شك إحياءً تجديدياً.

جذور العنف كامنة داخل التدين نفسه

أما الدكتور عبدالجواد ياسين فقد خالف السيد في التقليل من أهمية عامل البعد التاريخي لهذه الأزمة، داعياً إلى توجيه النظر إلى الأصول النظرية للمشكلة، ورأى أن جذور العنف كامنة داخل “التدين” نفسه، لأن من حملوا لواءه من الفقهاء احتكروا لأنفسهم تفسيره وأدخلوا الإسلام في حالة توتر مع المجتمع، عندما ربطوا رؤيتهم الخاصة بالمطلق بما يتناقض مع التعدد، فدخل هذا التاريخ الرؤيوي في صلب الدين بالتعارض مع قانون اجتماعي مهم وهو قانون التطور.

ودعا ياسين إلى أن نفرق بين الدين والتدين الذي كرس مفاهيم قارة من العنف تجاه الأنا والآخر المخالف، مستتبعة من عقيدة لاشعورية بالحق المطلق، نافياً أن يكون الموضوع مجرد تأويل خاطئ للفروع، فالنص القرآني لأحداث “تاريخية” انتهت في زمان الدعوة المدنية تم التأسيس عليه لتبرير العنف بصورة أحكام دائمة لا تقبل النسخ.

واستغرب عدم الربط عند البعض بين النص الديني والعنف؛ فالجماعات المتطرفة تطرح نفسها باسم الدين وتأويلاته العنيفة، دون أن ينكر معطيات الواقع المعاصر.

مؤمنون بلا حدود

يشار إلى أن المؤتمر السنوي الثالث لمؤسسة “مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث” كرم المفكر اللبناني الدكتور ناصيف نصار.

وقدم مؤتمر “الدين والشرعية والعنف”، برنامجاً غنياً حوى أوراقاً علمية متنوعة تقارب موضوع الشرعية والدين من أوجه عدة، وشارك فيها مفكرون وباحثون من مختلف البلدان العربية.

وتسعى “مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث”، وهي مؤسسة بحثية تأسست في العام 2013 وموقعها في الرباط، إلى تنشيط البحث المعرفي الرصين في الحقول الثقافية والمعرفية عموماً، والدينية خصوصاً.

وتتكثف اهتماماتها في دراسة منظومة الأفكار المؤسِّسة للعقل الثقافي الكلي، وتسعى في الشق العملي إلى اختبار اجتهادات المفاعيل الثقافية والفكرية والمجتمعية في الفضاء العربي الإسلامي، نظرياً وواقعياً.

وتسلك إلى ذلك سبيلَ النقد المنفتح والفعال في مراجعة الأفكار كافة، دون انحياز إلا لما يهدف لمصلحة الإنسان في واقعه ومعاشه.

وقد أصدرت المؤسسة، في سبيل تحقيق ذلك، مئات الدراسات والأبحاث والمقالات، ونشرت عشرات الكتب، ونظّمت العديد من الندوات العلمية.

كما يصدر عن المؤسسة مجلتان فصليتان، الأولى “يتفكّرون”، وهي ثقافية فكرية، والثانية “ألباب” وهي مجلة محكّمة معنية بالدين والسياسة والأخلاق.

وأطلقت المؤسسة أيضاً صحيفة “ذوات” الثقافية الإلكترونية، ومجلة “ذوات” نصف الشهرية وهي مجلة ثقافية فكرية.

كلمة اختتام المؤتمر للأستاذ يونس قنديل

قنديل: لم يعد من الترف الفكري إعادة مساءلة كل ما نؤمن به من قيم

أكد رئيس أمناء مؤسسة “مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث” الأستاذ يونس قنديل في ختام المؤتمر السنوي الثالث للمؤسسة الذي عقد في عمّان يومي 4 و5 أيلول (سبتمبر)، أن “أي مرجعية تحاول أن تغلق نفسها وأن تثبت نفسها، وأن تضبط نفسها بمشروعية أبدية، ستؤدي بالتالي لإنتاج إكراهات وعنف مهما كانت هذه المرجعية ومهما كان صدقها”.

ونبّه قنديل، في المؤتمر الذي أقيم بالتعاون مع مركز الدراسات الاستراتيجية في الجامعة الأردنية تحت عنوان “الدين والشرعية والعنف”، إلى أن الإشكال الحقيقي الذي يواجهنا اليوم أن العنف “بات يطرق أبواب بيوتنا”، ومن هنا “لم يعد من الترف الفكري أن نعيد مساءلة كل ما نؤمن به من قيم، بغض النظر إن كانت قائمة على الدين أم قادمة من خارج الدين”، مشدداً على ضرورة “إعادة مساءلة آلياتنا في الحجاج وفي فتح الفضاء السياسي والاجتماعي التي من خلالها نصنع الوسط الذي ننتج من خلاله الشرعية لأي شيء”.

وتابع “علينا أن نعيد قراءة الأفعال التي نعاني منها في الاجتماع على مستوى التوصيف، وأن نحبك المساءلة النظرية لكل نوع من أنواع العنف، ونحاول تطبيقها على الواقع في المناهج الدراسية، في مواعيدنا، في مساجدنا في كل شيء، ومن هنا نستطيع أن نفهم هذه العلاقة ونعيد ترتيب طريقة تفاعل العقل العربي معها، وحينها سنتخلص من هذه الإشكالية وسنلتفت لإشكاليات أخرى.

ورأى قنديل أنه “علينا أن نواجه إعادة تأهيل المؤسسة الدينية والخطاب الديني وأن نواكب خطاباتنا الدينية والسياسية والاجتماعية لكي نوسع قدراتنا على إدراك الاختلاف في المجتمع الحقيقي والواقعي”.

وأوضح أنه “ليس من الإنصاف أن نجعل المفعول لأجله هو الدين المطلق، بمعنى أن كل ما يقام من عنف في العالم العربي يقام من أجل الدين، فهذا ليس صحيحاً”.

وأضاف قنديل “إن الفعل العنفي أحياناً يتسرب إلى فعل التدين أو الشرعنة، ونحن نناقش الدين نمارس العنف، ونحن نمارس الشرعية نمارس العنف، ولذلك إن الأولوية الأولى التي يجب علينا أن نفعلها أن نطور ثقافة تنحي العنف من الخطاب، على الأقل أن نطور ثقافة الحوار بالحوار، لنتعلم أن نجلس ونختلف، هذه الثقافة هي التي نحن بحاجة إليها. وبهذا نستطيع أن ننتصر على ثقافة العنف”.

وكان المؤتمر السنوي الثالث لمؤسسة  “مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث” عقد في العاصمة الأردنية عمّان تحت عنوان “الدين والشرعية والعنف” بالتعاون مع مركز الدراسات الاستراتيجية في الجامعة الأردنية تحت رعاية رئيس الجامعة الأردنية د. اخليف الطراونة.

وضم المؤتمر نخبة من ألمع المفكرين والباحثين العرب الذين قدموا محاضرات، في إطار مقاربات وأسئلة تناقش ثالوث الدين والشرعة والعنف.

وكرم المؤتمر المفكر اللبناني الدكتور ناصيف نصار، استحضاراً لتاريخ مشرق، لمفكر قدم الكثير للفكر العربي في سياقه الكوني، حيث عرف على المستوى العربي والدولي بعمق طرحه وبمشروعه الفكري العقلاني العلمي الحر، الذي يحلم بعالم عربي أكثر حرية وإبداعاً. 

وقدم مؤتمر “الدين والشرعية والعنف”، برنامجاً غنياً حوى أوراقاً علمية متنوعة تقارب موضوع الشرعية والدين من أوجه عدة، وشارك فيها محاضرون من مختلف البلدان العربية. فمن المغرب شارك كل من الدكتور سعيد بن سعيد العلوي بمداخلة تحت عنوان: “الحسبة والشرعية والعنف المشروع”، والدكتور عادل حدجامي بمداخلة حول “الأصول الثقافية للعنف”، والدكتور محمد بن صالح بورقة بعنوان “جدلية الشرع والشرعية في تاريخ المجتمعات الإسلامية”. 

ومن تونس حاضر كل من الدكتور محمد المحجوب بمداخلة تحت عنوان:”ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك”، والدكتور نادر الحمامي بمداخلة عن “التاريخ الديني والتشريع للعنف”، والأستاذ صلاح الدين الجورشي بورقة تحت عنوان “العنف في الخطاب الديني والبحث عن الأسئلة الحارقة “، والدكتور حمادي بن جاب الله  بمداخلة حول “الدين تشريعا للحرية”.

ومن الجزائر شارك كل من الدكتور شناف شرف بمحاضرة تحت عنوان:” مأسسة القراءة الدينية بين عنف المنهج ودوغما الشرعية”، والدكتور الحاج دواق بمداخلة حول “نظرية الدخول في السلم كافة وتفكيك مؤّسسات العنف”.

كما حاضر من مصر كل من الدكتور أشرف منصور بورقة حملت عنوان: “الدين وحقوق السيادة السياسية”، والدكتور حسن حماد حول “القمع المقدس: شرعنة العنف في خطاب الإسلام السياسي”.

ومن لبنان شاركت الدكتورة حُسن عبود بمداخلة حول “فصل الرابط بين مدّونة الأحوال الشخصية والعنف الأسري المشروع”، والدكتور وجيه قانصوه بمداخلة تحت عنوان “النص الديني ورهانات المعنى السياسي”.

وقدم الأستاذ طارق أوبرو الفرنسي من أصل مغربي محاضرة حول “العنف بين الطبيعة الإنسانية والنصوص الدينية”.

وشارك من الأردن كل من الأستاذ ابراهيم غرايبة بمحاضرة تحت عنوان:”وجهة الخطاب الإسلامي في سياق الصراع على الشرعية السياسية”، والأستاذ يونس قنديل “الدين في خانة ”الفتك”!؟”،  والدكتور علي محافظة بورقة حول “الجذور الفكرية لحركات الجهاد الإسلامي السلفية الراهنة”. 

واختتم المؤتمر فعالياته بجلسة حوارية جمعت المفكرين العرب: الدكتور احميدة النيفر من تونس، والدكتور رضوان السيد من لبنان، والمستشار عبد الجواد ياسين من مصر، والدكتور عبد المجيد الشرفي من تونس، والدكتور إدريس بنسعيد من المغرب والدكتور ناصيف نصار من لبنان.

يشار إلى أن “مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث”، وهي مؤسسة بحثية تأسست في العام 2013 وموقعها في الرباط، تسعى إلى تنشيط البحث المعرفي الرصين في الحقول الثقافية والمعرفية عموماً، والدينية خصوصاً. وتتكثف اهتماماتها في دراسة منظومة الأفكار المؤسِّسة للعقل الثقافي الكلي، وتسعى في الشق العملي إلى اختبار اجتهادات المفاعيل الثقافية والفكرية والمجتمعية في الفضاء العربي الإسلامي، نظرياً وواقعياً.

وتسلك إلى ذلك سبيلَ النقد المنفتح والفعال في مراجعة الأفكار كافة، دون انحياز إلا لما يهدف لمصلحة الإنسان في واقعه ومعاشه.

وقد أصدرت المؤسسة، في سبيل تحقيق ذلك، مئات الدراسات والأبحاث والمقالات، ونشرت عشرات الكتب، ونظّمت العديد من الندوات العلمية.

كما يصدر عن المؤسسة مجلتان فصليتان، الأولى “يتفكّرون”، وهي ثقافية فكرية، والثانية “ألباب” وهي مجلة محكّمة معنية بالدين والسياسة والأخلاق.

وأطلقت المؤسسة أيضاً صحيفة “ذوات” الثقافية الإلكترونية، ومجلة “ذوات” نصف الشهرية وهي مجلة ثقافية فكرية.

Share

عن Al intifada

تحقق أيضا

والدة الزميل محمد وماهيا في ذمة الله.

الانتفاضة تلقينا ببالغ الاسى والحزن نبأ وفاة المشمولة برحمة الله،والدة الزميل محمد وماهيا، بعد مرض …