النمطية ودورها التخريبي في الإبداع الشعري المعاصر

الانتفاضة

د . مولاي علي الخاميري/ أستاذ جامعي

في دنيا الإبداع الشعري المعاصر أضحت النمطية هي القاسم المشترك بين أكثرية المبدعين ، التشابه البغيض، والتلاقي المتكرر إلى حد الذوبان ، وانعدام الحواجز الذاتية الفاصلة والمُفَرِّقة هو الميزة الأساسية في أكثرية تجارب الإبداع الشعري المعاصر ، ولدى أغلبية المبدعين .

هذا الخلل القاتل يظهر في فنون القول بدرجات مبالغ فيها ، ويجافي أو يحارب الخصوصية التي تعتبر أهم عنصر في عملية الإبداع بعد حضور الموهبة ، والحصول على الدربة المطلوبة ، والتمكن من الوسائل ، فقد تحضر لأمسيات شعرية مثلا ولا تجد فيها غير التشابه والتكرار الممل ، وكأن الشعراء اتفقوا وأجمعوا على أن الشعر المعاصر يجب أن يُحبَس في مواضيع الحزن والسواد والرفض ، وبث التشاؤم ، وكثرة الشكوى ، والشاعر المُفلِق هو من يجيد الكلام في المستنقعات المعاصرة فقط ، والشاعرية المُتَّقِدَة هي من تتتبع خيوط الظلام وتشبكها فيما بينها ، وتخرجها على شكل لوحة حمراء ، يتقطر منها الدم القاني دائما ، وتلقي بظلالها القاتمة على كل النفوس .

نحن هنا لا نحرِم الشاعر مما يحس به سواء كان فرحا ، أو حزنا ، وإنما نرفض هذه النمطية المتفشية في الشعر التي أضحت مقدسة ، وصارت معيارا صائبا لقول الشعر وإحراز لقب شاعر .

الإبداع بصفة عامة هو أكبر صفة خلقت مع الإنسان ، وتمده بالقدر الذي يريده من الحرية لممارسة شعائره الإبداعية ، ففي الإبداع وحده نجد الظلم الواقعي يتحول إلى أنشودة مُحَلِّقة في السماء ، وفي الإبداع تتبدل الأحلام المُحبِطة إلى ورود وأغصان ، وبساتين من العطاء ، وفي الإبداع يتحول المستحيل إلى الممكن ، ويحضر البعيد ، ويغني القريب ، وتزهر الحياة بجهد الإنسان الجبار ، وبتماسك خاصية الإبداع في دواخله لكي يتحدث لنا عن المأمول والمسكوت عنه ، ويأتي لنا بعوالمه المفقودة .

ولكن الآن لم تعد هذه الفسحة بمثل هذا الرحب والسعة ، بل تَقَزَّم مدلولها ، وحُدَّ من مداها ، وضيقت مساحتها بسبب ثقل تلك النمطية المتكررة في الأشعار .

في القديم البعيد والقريب كنت تجد بصمات المبدع تختلف ما بين مبدع وآخر ، وحتى إذا كانوا من تيار واحد ستقف على الفرق المميز لكل تجربة بطابعها الفردي المختلف عن الآخر ، واليوم اختفى كل ذلك ، وصرت تشعر بالقَرَف كلما قرأت شعرا ، أو استمعت إليه لأن تلك النمطية المتحكمة قضت على وهجه ، وأطفأت شعلة الإبداع المميزة في دواخل النفوس ، والأخطر الملاحظ والمتخطي لكل الفرادات والمميزات الخاصة والعامة هو طمس هوية الشعر الجمالية الممتلئة بالعطاء والتنوع ، فمن آفات النمطية أن الكل يريد أن يكتب شعرا هو في حقيقته نثر ، أو يقترب من النثرية ، فأين هو ذلك التنوع الجمالي الفسيح ؟! وأين هي مجهودات الشاعر المعاصر في الاطلاع والإعجاب بكل تجليات الشعر العربي الجمالية التي تحتم عليه موهبته الإبداعية الإلمام بها ، والنسج على منوالها كلما دعت إليها لحظة الشعر ضمانا للتنوع ، والمحافظة على جميع قوالب الشعر العربي الجمالية ، تصريفا لمعارفه الأصيلة ، ووسيلة منه لرسم موقفه ، والدفاع عن أفكاره من باب نشر ثقافة الإبداع الواسعة ، والدلالة على إعجابه وميولاته ، واستحضارا لبصمة التميز الخاص به ضمن حلقة الشعراء المعاصرين ، وهروبا من الوقوع في النمطية والتواكل والاِتِّبَاعِ الأعمى ؟!. وبالقول الصريح الفصيح : هل أصبح زاد الشعراء المعاصرين الفكري والجمالي لا يتعدى حدود التجارب المعاصرة الضيقة وغير المكتملة ؟ ! .

للإبداع سلطاته المختلفة ، ومن أهمها أنها تصبح دالة على صاحبها ، وهي ممن يجلب القارئ ليطالع كل مبدع بشغف ، ويتمتع بتجليات محاربه الإبداعية وهو يتنقل ما بين القصائد والدواوين ، والطابع الذاتي يعينه على الظفر بمجموعة من المميزات تخص هذا الشاعر ، أو ذاك ، وتصبح عنده وسيلة للتعرف على الفروق الممكنة بين كل شاعر وآخر من ناحية اللغة والصور والأفكار والبناء……واليوم اختفت كل هذه المعالم ، واندثرت معها معالم الذات في عملية الإبداع ، واختصرت كل المشاهد في مشهد واحد متكرر عند مئات الشعراء .

من آفات النمطية المعاصرة أنها تعلم التقليد ، ولا تعلم الإبداع ، وأن مداها مغلق ، لا تتعدى معه تلك المواضيع المحددة ، وتضيق على الشاعر ، وتحبس أنفاسه ، وتشكل لنا عالما بعيدا عن حقيقة النفوس ، وتزهدنا في المقاومة والحلم بغد آخر مخالف .

ليس على الشاعر من حرج في اختيار مواضيع شعره ، وليس عليه أن يتأوه ويتوجع كما يحلو له ، ولا يُمنَع من الحزن والبكاء ، وله حريته في لبس السواد ، والإكثار منه ، فالموضوع لا تنازع فيه ، والكيفية لا كلام حولها إذا كانت نابعة من الذات ، ولها خلفيات الفرادة والتفرد ، واستطاعت التخلص من وهم النمطية المسيطر على نفوس المبدعين في وقتنا المعاصر .

لهذه النمطية التي تشبه وباء عصرنا في الانتشار أسباب كثيرة ومختلفة ، أجملها فيما يلي :

1 – تجارب الشعر المعاصر المتأخر ، فأكثريته ناتج عن ضيق في الزاد المعرفي اللغوي والفكري ، ونابع من تقليد محدود في الزمان والمكان .

2 – ضغوط الزمن المعاصر الكثيرة ، وفقدان الشعراء معها لأي أمل في الحياة ، بالإضافة إلى ظاهرة الاغتراب الملاحظة وهي تزداد اتساعا وسوداوية بسبب الانكسارات المتتالية على الإنسان العربي ، وفقده لأي أمل في النجاة مما يحيط به من ظلام جراء استخدام القيم الإنسانية والكونية استخدامات نفعية على مقاسات المتحكمين والنافذين دوليا ووطنيا .

3 – توهم أكثرية الشعراء المعاصرين أن الإبداع الصحيح يكمن في تتبع تلك النمطية ، ولا منجاة لهم منها إذا أرادوا أن يصبحوا شعراء ، وتقبل بهم حضيرة الشعر ، فينطلقون في رحلة التقليد الأعمى التي تطمس مع الأيام ينابيع موهبتهم ، وتحول نفوسهم إلى أجواخ مجردة من الإحساس الذاتي ، ومن الطابع الأهم والملهم في عملية الإبداع .

أيها المبدع ، أيها الشاعر ، أيتها الشاعرة انصت إلى نفسك ، ولا تجعل مرحلة التقليد تطول في عمرك الإبداعي ، ولا تحصر ما أنت معجب به في تجربة فلان وعلان ، أو في زمان ومكان مخصوصين ، ولا تعتبر ما تحقق به النجاح لغيرك هو الطريق الوحيد الذي يجب عليك سلكه لتنعم بمثل ما تنعموا به…..كلا فهذا هو الوهم الكبير الذي أدى إلى تكوين هذه النمطية المضرة ، وساهم في نشرها وانتشارها بين المبدعين في أشكال تقليد أعمى ، واجترار لزاد تيار واحد من الشعراء المعاصرين ، بلغوا القمة بثقافتهم الواسعة ، وموهبتهم السلسة ، وتمكنوا من النفوس حتى أصبح الشعر مختصرا في ذواتهم ، وفي تجاربهم الإبداعية ، وحالوا بذلك بين الأجيال الجديدة من المبدعين وبين بقية التجارب الأخرى القريبة والبعيدة التي ستكون أفضل لو اطلعوا عليها ، وتحرروا من الإحساس بنجاعة النمطية ، فانتكست بذلك عملية الإبداع وانكمش مداها الفكري والجمالي ، وضاقت الرحاب الفسيحة ، وسادت النمطية المغلقة الخانقة ، والأفدح أن جغرافية الشعر العربي الشاسعة قزمت إلى أدنى مستوى ، واختصرت في أسماء الزمن المعاصر ، فانقلب الوضع ، وصارت النفوس المبدعة المتناثرة وبغزارة لا تجد الأمكنة المتسعة ، ولا تستنشق غير أهوية ملوثة ومستعملة ، فوقع الضيق والخنق والتزاحم الكارثي على مائدة واحدة ، فلم يحصل الشبع ولا الارتواء ، وظلت النفوس جوعى وظمأى ، وانعدمت بذلك الصحة الفنية ، والنقاء الجمالي والفكري في التصور والاختيار فتولدت النمطية المجترة والمتكررة ، واستبشع حضورها وتمدد إلى حد الغثيان ، وهي وضعية لم يعشها الشعر العربي في أي عصر من عصوره الخالية ، وحتى في أحلك أيامه بالوضع الذي نلاحظه متجسدا في الكثير من تجارب ( الشعراء ) المعاصرين للأسف الشديد .

مراكش في : 12 يناير 2022 م

Share

عن Nassif jamila

تحقق أيضا

نقص الحقائب المدرسية بالأسواق المغربية.. وزارة الصناعة والتجارة توضح

الانتفاضة/متابعة نفت وزارة الصناعة والتجارة اليوم الخميس، ما راج حول النقص الكبير الذي تعرفه الأسواق …