الانتفاضة

سالم الكتبي

الشعوب بشكل عام، وتلك التي تمتلك عمقاً حضارياً وتاريخياً كالشعب المغربي بشكلٍ خاص، لديها من الوعي الجمعي ما يمكنها من استقراء أحوالها جيداً، بما في ذلك علاقتها بالقادة والزعماء، والشعب المغربي يستشعر جيداً المشتركات التي تجمعه بالعرش العلوي المجيد، واسهاماته التاريخية الكبرى في مسيرة هذا البلد الحضارية والانسانية، لذلك استمرت هذه العلاقات القوية بين الشعب المغربي وقيادته سواء خلال فترة الاستعمار والنضال للتحرر، أو مرحلة البناء والتقدم.

ولا شك أن حرص جلالة الملك محمد السادس على ترسيخ حقوق الانسان ورعاية الشعب المغربي منذ اعتلاء العرش قد أسهم في ترسيخ العلاقة الوطيدة بين العرش والشعب، وإضافة لبنان جديدة تقوي العلاقة التاريخية القائمة في هذا المجال طيلة عقود مضت، سواء خلال فترة الاستعمار والنضال للتحرر، أو مرحلة البناء والتقدم.

ولاشك أن هذه العلاقة الاستثنائية تتجلى بشدة وعمق في روح “المسيرة الخضراء” التي تقودنا ـ كباحثين ومتخصصين ـ إلى بناء فهم دقيق للعلاقة بين العرش والشعب المغربي، فالمسيرة لا تزال تجسد “أحسن تعبير عن التلاحم القوي بين العرش والشعب” كما قال صاحب الجلالة الملك محمد السادس في إحدى خطبه، حيث يتعزز توهج الهوية المغربية وتسهم في تعميق الولاء والانتماء الوطني، ويتعزز ذلك كله بدفع من اهتمام العرش بمختلف جوانب حياة الشعب المغربي، وحيث يجري الاهتمام بتطوير البنى التحتية الأساسية في مختلف مناطق المملكة الشقيقة، بما يؤكد على العلاقة الوثيقة بين تعزيز الربط الجغرافي بين مختلف الأقاليم بشبكات طرق متطورة، وبين النهوض بالتنمية ودفع عجلة الاقتصاد، وربط ذلك كله بالتوزيع العادل للثروات في مسعى استراتيجي واضح يستهدف ترسيخ العدالة الاجتماعية وتجسير أي هوة تنموية جهوية، وهو ما شدد عليه جلالته بالقول “المغرب الذي نريده، يجب أن يقوم على جهات منسجمة ومتكاملة، تستفيد على قدم المساواة، من البنيات التحتية، ومن المشاريع الكبرى، التي ينبغي أن تعود بالخير على كل الجهات”، وكل ذلك من شأنه تقوية الروابط القائمة بين العرش والشعب.
حيث يلفت انتباهي اهتمام صاحب الجلالة الملك محمد السادس بإحداث التوازن الشديد بين القضايا والملفات الحيوية، حيث يشدّد جلالته على “تحقيق تنمية متوازنة ومنصفة بكل جهات المملكة”. والحقيقة أن خطب العرش التي يلقيها جلالة الملك في مناسبات وطنية تتمحور حول تفعيل الإصلاحات ومتابعة خطط التنمية ومشروعاتها، وشحذ همم النخب والمؤسسات المغربية على مزيد من العمل، و”ضرورة الوصول إلى نتائج لها آثار إيجابية على حياة المواطنين” من خلال تحمل جميع المسؤولين لمهامهم وأداء دورهم والسهر على تنفيذ القرارات والخطط بفاعلية، وما أسماه جلالته في خطابه للبرلمانيين بـ” التنافس الإيجابي” من أجل خدمة المواطنين وتلبية تطلعاتهم وطموحاته من خلال دعوة جلالته أعضاء البرلمان إلى “متابعة ما تقوم به الحكومة في كل ما يخص تدبير الشأن العام في مختلف المجالات، ومراعاة مدى استجابته للانشغالات الحقيقية للمواطنين”.

وكل ذلك يصب في سلة تعزيز العلاقة بين العرش والشعب، والوحدة الوطنية الجامعة التي وصفها جلالته بأنها علاقة “الجسد الواحد” و”البنيان المرصوص في السراء والضراء”. وقد تجلت هذه العلاقة القوية في خطاب جلالة الملك محمد السادس أثناء ذروة أزمة تفشي وباء “كوفيد 19″، حيث تطرق جلالته إلى “مشاهد لا تنسى من التعاون والعمل التطوعي بين الجيران، ومع الأشخاص المسنين، والأسر المحتاجة، من خلال توزيع المساعدات وتقديم الدعم والارشادات”، كما حرص أيضاً على أن يسجل “بكل فخر واعتزاز” ما أكد أنه “لحظات مؤثرة، تجسد روح الوطنية العالية ، خاصة خلال عزف النشيد الوطني من نوافذ المنازل ، وتبادل التحيات بين رجال الأمن و المواطنين”، وهي تفاصيل قد تبدو للبعض بسيطة، ولكنها تعني الكثير في علاقة قيادة تعيش مع شعبها كل تفاصيل الحياة وتضطلع على هذه التفاصيل بدقة واهتمام تحركه عواطف وطنية جياشة ووعي بقيمة هذا الشعب العظيم وحتمية الاضطلاع بكل جوانب المسؤولية القيادية في مثل هذه الظروف الاستثنائية.

لقد أعجبني، كمراقب، أيضاً أن حديث جلالته وقتذاك لم يكن مناسبة احتفالية للتفاخر بالإنجازات وسرد الايجابيات والنجاحات فقط، بل كان محكوماً بنهج الشفافية والصراحة والمكاشفة لشعب يبادله الحب والتقدير والاعتزاز، ما اعتبره أحد أبرز سمات الحكم الرشيد للمملكة في عهد صاحب الجلالة محمد السادس، فنرصد في خطاب العرش تأكيداً لا يخلو من حرص واحساس بالمسؤولية الوطنية على أن “عواقب هذه الأزمة الصحية ستكون قاسية، رغم الجهود التي نقوم بها للتخفيف من حدتها”، وهناك دعوة للاستنفار والاستعداد لمواجهة أي موجة ثانية من هذا الوباء لا قدر الله، وهناك دعوة لاستخلاص الدروس من هذه المرحلة والاستفادة منها، وهناك ـ وهذا هو الأهم اعتراف بوجود “مجموعة من النواقص، خاصة في المجال الاجتماعي.

ومن بينها حجم القطاع غير المهيكل؛ وضعف شبكات الحماية الاجتماعية، خاصة بالنسبة للفئات الأكثر هشاشة، وارتباط عدد من القطاعات بالتقلبات الخارجية”، وتعهد صريح بجعل هذه المرحلة “فرصة لإعادة ترتيب الأولويات، وبناء مقومات اقتصاد قوي وتنافسي، ونموذج اجتماعي أكثر إدماجاً”، وتوجيه للحكومة بالتركيز على التحديات وإعادة رسم الأولويات بناء على مخرجات هذه الأزمة، وتحديد معالم الطريق مثل “إطلاق خطة طموحة للإنعاش الاقتصادي تمكن القطاعات الإنتاجية من استعادة عافيتها، والرفع من قدرتها على توفير مناصب الشغل، والحفاظ على مصادر الدخل”، ووعد بضخ نحو 120 مليار درهم في شرايين الاقتصاد الوطني، واستحداث صندوق للاستثمار الاستراتيجي مهمته دعم الأنشطة الإنتاجية، و”إطلاق عملية حازمة، لتعميم التغطية الاجتماعية لجميع المغاربة، خلال الخمس سنوات المقبلة”، و”تعميم التغطية الصحية الإجبارية، والتعويضات العائلية، قبل توسيعه، ليشمل التقاعد والتعويض عن فقدان العمل”، وغير ذلك من إجراءات دقيقة تعكس مستوى عال من الوعي والتفكير الاستراتيجي الاستباقي، والالمام بالتفاصيل اللازمة للتخطيط التنموي الذي تحتاجه المملكة في الظروف الراهنة. ولأن التجربة الوطنية المغربية تتكئ منذ بداياتها على الولاء والروابط والوشائج القوية التي تربط الشعب بالعرش، فهي علاقة قوية لا تنفصم، وطالما كانت، وستظل بإذن الله، حائط صد قوي يحمي المغرب وأهله من كيد الكائدين وطمع الطامعين.