الحسن عبيابة: القوة الافتراضية للجزائر تضعفها الجغرافية السياسية

الانتفاضة 
الحسن عبيابة

تعتبر دراسة الجغرافية السياسية للدول من أهم الدراسات التي تعتمد في تقييم الدول على المستوى الاستراتيجي، وسنسلط الضوء في هذا المقال على دولة الجزائر.
في هذا الموضوع، تصنف الدول على المستوى الاستراتيجي في الدراسات المرتبطة بالجغرافية السياسية بناء على المعطيات التالية:
-الموقع الجغرافي وأهميته
– المساحة وشكلها وأهميتها
-نسبة الأراضي القابلة للحياة
-نسبة الأراضي الزراعية
– توفير الموارد وأهميتها الإقتصادية
– عدد السكان وتوزيعهم في الدولة.
-طبيعة النظام السياسي.
وفي هذ المقال سنركز فقط على بعض عناصر الجغرافية السياسية لدولة الجزائر التي تعتبرها قوة لها، مثل المساحة وشكلها، والموقع الجغرافي، والحدود مع دول الجوار، وهل فعلا مساحة الجزائر ومايرتبط بها، تمثل عناصر قوة أم عناصر ضعف كما سنبين ذلك.
– الموقع : تعرف الجزائر على أنها دولة متوسطة، حيث تقع الجزائر في شمال غرب إفريقيا وتطل شمالا على البحر الابيض المتوسط بشريط ساحلي طوله حوالي 1644كم2، لكن مجموع حدودها من جميع الجهات تصل لحوالي 6343 كم2، أي أن سواحلها المتوسطة لا تمثل إلا حوالي 20% من درجة انفتاحها على البحر المتوسط، وبالتالي فهي دولة قارية ومحدودة بحريا، ولها حدود جغرافيا مع خمس دول، حيث تحدها شرقا تونس بطول 965 كم، وليبيا غربا بحدود 982 كم، ويحدها المغرب غربا، أما جنوبا الجزائر فتحدها النيجر بحدود 956 كم، ومالي بحدود 1376كم، وموريتانيا بحدود 463كم، لأن ذكر هذه المسافات الحدودية مهم في دراسة الجغرافية السياسية، وتبلغ مساحة الجزائر 2,3 مليون كم مربع ، وتمتد من أقصى الشمال في العاصمة الجزائر إلى أقصى نقطة في الجنوب بحوالي نحو 1955كم، وتشكّل الصحراء في الجزائر ما يزيد على أربعة أخماس مساحتها، وهي بالتالي فمساحة الصحراء القاحلة في الجزائر تمثل نحو 80٪، حيث تصل درجة الحرارة في هذه الصحارى إلى حوالي 50 درجة مئوية، وهي مناطق غير قابلة لحياة الإنسان أو النبات أو الحيوان، كما تشكل نسبة الأراضي الصالحة للزراعة 3.4% فقط من إجمالي مساحة الدولة، حيث تقدر مساحة الأراضي الصالحة للزراعة 8.2 مليون هكتار فقط، هذه الأبعاد والمعطيات مهمة جدا في دراسة الجغرافية السياسية للدول، ومن خلال قراءة سريعة ومركزة لهذه المعطيات يتبين أن دولة الجزائر لها عيوب جغرافية متعددة تصنفها من الدول الضعيفة جيوسياسا على عكس ما تدعيه الجزائر، ويمكن ذكر هذه العيوب في ما يلي:
– تصر المصادر الجزائرية على ذكر بأن الجزائر تتوفر على أكبر مساحة في إفريقيا، وتعتبر ذلك قوة للدولة، بالمقابل أن الجزائر تحتل أكبر مساحة صحراوية قارية غير قابلة للحياة، وهذه مساحة تعتبر في الجغرافية السياسية معيبة لأنها لا قيمة لها، ولأنه لا يمكن استغلالها للحياة السكانية،
-إن الأراضي غير القابلة للزراعة تفوق حوالي 70%, من مجموع مساحة الجزائر، وهذا يجعل منها دولة دائمة الإستراد للغذاء من الخارج، وهذا يسبب ضعف إستراتجي قوي للدولة.
– أن مساحة الجزائر تشكل عبئا ماليا لحراستها، لأن حراسة أكثر من 6343كم من الحدود الجغرافية تتطلب إمكانية ضخمة، وهذا ما جعل الحدود الجنوبية الجزائر بدون حراسة مشددة، مما مكن المنظمات الإرهابية من القيام بأنشطة على الحدود المالية الجزائرية التي تفوق حوالي 1376كم،
-إن هذا الوضع الجيوسياسي لمساحة وشكل الجزائر، يكلفها عمليا لحراسة الحدود ثلاثة أضعاف ما تملكه الجزائر من عربات ودبابات ومعدات عسكرية، وحسب بعض المعلومات الدولية أن الجزائر تملك حوالي 2024 دبابة و7000 عربة مدرعة و324 مدفعا ذاتي الدفع و396 مدفعا ميدانيا و300 قاذفة صواريخ، هذه الأسلحة البرية كلها لاتكفي لحراسة الحدود الجنوبية والشرقية الصحراوية، وخصوصا مع حدود كل من مالي، والنيجر، وموريتانيا، وليبيا، التي تصل في مجموعها حوالي 2795 كم ، وعندما تعرضت بعض محطات إنتاج النفط التابعة للجزائر قرب الحدود الليبية للهجوم، لم تصل القوات البرية الجزائرية الداعمة لحراسة المحطة المستهدفة إلا بعد أربعة أيام، نظرا لبعد المسافة وضعف الحراسة.
-إن الحدود الجنوبية للجزائر ستبقى مهددة وغير آمنة وغير مستقرة في المستقبل، بسبب الإضرابات الجيوسياسية لدول الجوار في جنوب الجزائر، وهناك قاعدة في الجغرافية السياسية، تقول أنه كلما تعددت الحدود للدولة، كلما تعددت المشاكل مع دول الجوار، وخصوصا إذا كانت دول الجوار مضطربة سياسيا وأمنيا،
-إن أكثر من 60% من سكان الجزائر يعيشون في شمال الجزائر في الشريط الساحلي، بسبب قلة المساحة القابلة للحياة ، ويوجد حوالي 1.5 ملايين نسمة هي التي تعيش في المناطق الصحراوية الجنوبية(الواحات)، ويتركز سكان الجزائر في المدن التالية، مدينة الجزائر العاصمة وضواحيها ويقطن بها حوالي 446 947 2 مليون نسمة، تم مدينة وهران، وقسنطينة، وغيرها من المدن في شمال الجزائر،
-إن حوالي 94% من سكان الجزائر يعيشون في المناطق الشمالية والشريط الساحلي، وتمثل هذه المساحة حوالي 17 % فقط من مجموع مساحة الجزائر، وهذا عامل ضعف قوي في نظريات الجغرافية العسكرية، لأن الجزائر يصعب أن تقوم بحرب مع دول الجوار، لأن إستهداف المدن الجزائرية عملية سهلة، ولأنها قريبة من بعضها البعض، بحيث يمكن لطائرة واحدة بتوقيت وسرعة معينة من الطائرات المقاتلة المتطورة ضرب أكثر من مدينة في وقت واحد، وخصوصا إذا كان المسافة أقل من 500كم،
وفي إطار مقارنة الجزائر مع ألمانيا أقوى دولة اقتصادية في دول الاتحاد الأوروبي، وفي أوروبا بصفة عامة، نجد أن ألمانيا لا تتعدى مساحتها الإجمالية حوالي 357,021 كم مربع، أي أنها تمثل فقط 15,15% من مساحة الجزائر، ويبلغ عدد سكانها نحو 82 مليون نسمة، أي ضعف سكان الجزائر، لكن ألمانيا تفوق القوة الاقتصادية للجزائر بأضعاف كبيرة جدا، ومن هنا نجد أن الفرق كبير بين أكبر دولة في المساحة وأكبر دولة إقتصاديا وإجتماعيا، وسياسيا.
إن تصنيف الدول كقوة عسكرية لم يبقى معتمدا فقط على عدد مشتريات وإمتلاك الأسلحة المختلفة، وإنما أصبح يعتمد على موقع الدول ومساحتها، ووضعها الجيوسياسي، من خلال هذه المعطيات وغيرها التي لم نذكرها اختصارا للفهم، فإن ما تعتبره الجزائر قوة لها فهو يمثل ضعفها عمليا وعلميا.

د. الحسن عبيابة ،وزير وناطق باسم الحكومة سابقا ،أستاذ التعليم العالي

Share

عن Al intifada

تحقق أيضا

توقعات المديرية العامة للأرصاد الجوية ليوم الاثنين

الانتفاضة تتوقع المديرية العامة للأرصاد الجوية، بالنسبة ليوم غد الإثنين، أن يظل الطقس باردا نسبيا …