البحوث العلمية وتقهقر مستواها المستمر : الأسباب والاستنتاجات

الانتفاضة

 د . مولاي علي الخاميري

هذا الموضوع يحاول أن يرصد معالم ظاهرة سلبية بدأت تغزو البحوث العلمية على اختلاف درجاتها ، ولاسيما ما يتعلق منها ببحث الدكتوراه.

ملاحظة عامة وأولية تسود الآن ولها دور سلبي على معاني البحث بمفهومها العلمي ، وتتعلق أساسا بمحدودية التخصصات المعرفية التي تلقن على مستوى درجة ( الماستر ) فمعظمها يُقَزِّم العلم ، ويضيق عليه إلى أبعد الحدود ، ويختصره في جزئيات وقضايا مفصولة عن النسق المعرفي المتجانس في أفقه الواسعة ، وفي أعماقه الضرورية ، وحتى في حالة التخصص يجب أن يحضر عنصر الإحاطة على كل مستويات التعلم والمعرفة في تمددها وتكاملها ، كما يجب أن يُحاز الأساسي الأصيل من القواعد والمواصفات الواجبة في كل المعارف وإن كثرت وتباعدت ، فكيف لمن لا يجيد اللغة حديثا وكتابة أن يتعلم وينتج لنا علما مقنعا وممتعا ؟!.

ومن باب التجربة الميدانية التي أشاهدها يوميا يتبين لي أن إدراك المعارف في الدرجة العلمية المذكورة لم يُبن على نسق علمي واضح ومفتوح ، يُمَكِّن الطالب من تنمية مواهبه وقدراته العلمية بشكل سلس ومتصاعد بتسلسل واجتهاد وإضافة ، لأن المشاريع العلمية تتحكم فيها النظرة الضيقة ، أو التصور المحدود للمشرفين والمؤطرين بسبب الفهم الخاطئ ، أو الميل المعوج ، أو التشبع بأفكار يغلب عليها الإقصاء المجاني ، والنزعة الذاتية المغلقة .

كان لهذه المنطلقات في التصور والبناء دور سلبي على معاني البحث ، وبتنا نجد أمثلة لا يوجد فيها من مفاهيم البحث غير الإسم ، فهي سطحية في كل شيء ، ولها نَفَس قصير ، وتفتقد للعمق المعرفي الذي سيؤدي إلى التطوير والإضافة والاجتهاد .

ونستطيع أن نلمس في سَير وسِير الطلاب والباحثين العلمية ، وكذا في رغباتهم المقترحة في البحث ، وإنجازاتهم التأليفية الكثيرَ من النواقص والأخطاء ، بعضها من مخلفات سلبيات المعارف في درجة ( الماستر ) وبعضها الآخر يرجع إلى القصور الملاحظ في معاني البحث، وقد يتطور الوضع حتى يصبح عبارة عن ضحالة ، وسوء نية وتدليس وانتهازية وتضليل للأسف الشديد .

عندما تناقش الطلاب في مشاريع بحوثهم ستقف أو تخرج بمجموعة من الاستنتاجات المتضاربة وفقا للتوجهات المتحكمة في تفكيرهم وتصورهم الضيق لمعنى البحث ، ويمكن إجمال تلك الاستنتاجات – وهي السمة الغالبة الآن – في الآتي :

1- إن معظمهم لا يفرق بين معنى البحث في درجة ( الماستر ) ودرجة الدكتوراه .

2 – خلطهم ذاك يدفعهم إلى الممانعة والتصدي لكل تغيير ، أو إضافة ، وهذا تعبير واضح منهم عن ضحالة زادهم الثقافي وعن هلهلة تصورهم لمعنى البحث ، وعن الارتكان إلى ما تحقق في درجة ( الماستر ) والتشبث به تشبثا مبالغا فيه بطرق تعيد بناء الأفكار ذاتها عن طريق حِيَل التقديم والتأخير والحذف ، والتحوير ، وتغيير الخطط وتصميمات المواضيع ، وإتمام بعض الجوانب الهامشية للإيهام بالإضافة والتجديد حتى ولو كان الموضوع لا يسعف ، وليست له تلك الامتدادات التي يمكن أن تبرر الغلو الملاحظ في موقف التشبث بموضوع البحث في درجة ( الدكتوراه ) .

3 – من باب التجربة سأقص حكاية حدثت لي مرات ، وتظهر جلية في بداية كل إجراء للإشراف على مشروع علمي ، ولا أهتم إلا بما أراه مهما ، ومن الأمثلة هنا أنني اطلعت على مشروع موضوع يخص عَلَما من أعلام المغرب الكبار ، ممن لم تشملهم لحد الآن العناية الفكرية الواجبة فاحتضنت الموضوع وصاحبه من باب المساهمة في تسليط الضوء على منجزات ذلك العَلَم الكثيرة والمتنوعة ، مع إبداء ملاحظة طفيفة وهي ضرورة توسيع مجال البحث ليشمل نماذج لأهم مجالات معارف الرجل الذي كان شاعرا جيدا ، وقارئا ممتازا للإبداع الثقافي العربي العام ، ومفسرا رائدا ، ومتصوفا مجتهدا ، وكان له في كل هذه الميادين تصانيف ومؤلفات متعددة وموجودة في السوق والمكتبات وعلى شبكة الأنترنت ، فرأيت على محيا الطالب عدم الرضى ، والإصرار على بقاء موضوع بحثه ضيقا ، وبالصفة التي قُدِّم عليها إلى لجنة المشاريع والاستماع ، وفهمت أنه لا يريد البحث ، وإنما يبتغي الإشراف السلبي حين أصر على الاكتفاء بتصوره المرتبط بجزئية معرفية صغيرة للرجل ، مفصولة عن السياق العام لإنتاجه الغزير ، ومشاركته الإبداعية الواسعة ، وقلت له : إنك بموقفك هذا ستظلم الرجل مرتين : الأولى أنك ستبقيه في منطقة التهميش التي هو قابع فيها ضمن سياق الثقافة المغربية العام ، والثانية أنك ستفوت عليه هذه الفرصة ، وهي من باب الواجب علينا جميعا ، لأنك تهرب من معنى البحث الحقيقي ، ثم تركت له حريته في الاختيار بين ما يريد ، وبين ما أريد .

4 – معظم البحوث التي تسجل الآن يغلب عليها – كما قلت – ضيق الآفاق ، وتركن إلى الجزئيات والإشكالات المتعلقة بالمنهج ، أو بعض الجوانب الصغرى المدرجة في البحث ، وبعضها يتحول إلى تقييمات تربوية لبعض المقررات المدرسية ، والظواهر البسيطة المصاحبة لها ، دون أن يُبنى كل ذلك على اجتهاد فكري ذاتي نابع من التصور الجديد المكتسب ، ومن فعل التتبع والملاحظة والاستنتاج ، وعملية الاستقراء والمقارنة والابتكار في الممكن والبديل .

أما دراسة المتون الإبداعية الأصيلة انطلاقا من معطياتها الواسعة والمختلفة فقد قَلَّ مدار البحث فيها في زمننا ، ولم نعد نرى أبحاثا تهتم بالتنوع والتكامل ، والوصول إلى اجتهادات علمية رصينة ومقبولة ، فجل ما يبحث فيه لا يتخطى حدود الكتابات السردية والنثرية بأبعادها الفنية المكررة ، اما الشعر وقضاياه المتعددة والمتنوعة فقد أصابه من الإبعاد والإقصاء ما قربه إلى درجة النسيان والتهميش ، أوالنفور غير المبرر مع انه يعد كنزا مفتوحا في مجال البحث وعلى كل الأصعدة ، وفيه فرص تكبر بكثير مما يسود في الكتابات النثرية ، ومع ذلك يبعد ، وينفر منه ، وهذه الوضعية تنبئ لنا عن ضحالة الباحثين الفكرية ، وعن محدودية تصوراتهم ، وقصور تكوينات درجة( الماستر ) واهتمامها بالظواهر التقنية والشكلية وفي مجال ضيق جدا ، كما ترجع إلى ضعف الطلاب المعرفي الظاهر ، وسلوكهم الملتوي في البحث ، ورغبتهم في تقزيم معانيه ، وإصرارهم على البقاء في درجة بحوث ( الماستر ) وتهافتهم تحت ضغط الزمان والعوامل السلبية المنتشرة على التسرع وتسريع مجالات البحث وفق نظرة يغلب عليها الكثير من المساوئ العلمية القبيحة الملاحظة فيما يكتب وينشر على صعيد العلم والمعرفة وإن كنت أقصد مجال اشتغالي واهتمامي بالدرجة الأولى ألاَ وهو مجال الأدب بمعناه الواسع ، ولكن من باب مطالعتي لبعض المنجزات في المجالات المعرفية المغايرة ، ومن باب حواراتي وتواصلي مع بعض الأصدقاء من الميادين الأخرى أكاد أجزم أن البلوى قد عمت ، واستحكمت ، وتتوسع يوما بعد يوم على حساب العلم والفكر والإبداع ، ونحن على مشارف مشاهدة رتل من الباحثين المعوقين والتائهين في مواقفهم وتصوراتهم الذين لن يفيدوا المعرفة في شيء ، بل سيسيئون إليها كثيرا وفي كل المناحي ، وسيؤثرون تأثيرا سلبيا على معاني البحث والثقافة والإبداع فيما سيأتي من أيام .

ومن باب الغيرة العلمية وأمانة الموقف العلمي الضروري والتراكم المستفاد من التجربة في الميدان أصرح بأن مجال البحث في الوقت الراهن يحتاج إلى وقفات عديدة ومتنوعة من أجل التقييم الإيجابي ، ومعالجة كل الظواهر السلبية التي لحقت به ، وفي مقدمتها إعادة تحديد المفاهيم على مستوى المؤطرين والطلاب ، لأن البحث في معناه البسيط هو رحلة علمية متواصلة ، ومترامية الأطراف ، يكسب معها الطالب العلم والخبرة ، وتزوده بالجديد في كل خطوة ، ويكتشف عبرها سراديب عميقة ومظلمة من الفعل الإبداعي الإنساني ، ويمكن أن تمده بمشروع العمر المعرفي ، وهي نقطة تغيب عن أفكار الطلاب في الكثير من اختياراتهم ، فهم في صراع مع أنفسهم ومع قوانين العلم من أجل التضييق والهرولة إلى المشاريع التي تختلف نظراتهم إليها ما بين الانخراط فيما هو شائع في ثقافة العصر ، ورائج في الوسط الفكري ، ويتوهمون أنه سهل ، وسيضمن لهم الحضور الدائم ، والإعجاب المنشود ولو من باب العناوين والمواقف الذاتية العنترية .

ولن نعدم الدليل المنصف على كل ما قلناه سلفا ، فتجليات المشاهد واضحة بتعدد وتنوع ، أهمها وأبسطها في نظري – وكما قلت – هو اللغة حديثا وكتابة ، فانظر إليها وإلى ما أصابها من ضعف وترهل وركاكة ، ناهيك عن تقويم الأفكار ، والبحث عن الجدة ، ومطاردة المُتَع المفقودة ، وكأن ساحة البحث تحولت إلى أرض قاحلة ومتجهمة لا توحي في دلالاتها على الحياة المرجوة ، وعندما تفتش وتأمل خيرا فلن تعثر إلا على القساوة ، والإحساس بالتيه والضياع ، والرغبة الملحة في الهروب والابتعاد ، والتنصل من كل ما هو جميل لدى الإنسان ، وفي الحياة عامة ، وما يرتبط منها بالإبداع والتفكير والعلم على وجه الخصوص ، ولمن يشك فالميدان أمامه ، حافل ومكتظ بالمتلاشي والباهت من الأفكار والبحوث المتداولة ، بشهادة ثلة منصفة من أهل العلم ، وبمعايير من تقدموا علينا ووضعوا شروطا دقيقة وجامعة لمعنى البحث والكتابة والعلم والإبداع .

أستاذ جامعي

Share

عن جريدة الانتفاضة

بين صفحاتها للكل نصيب ترى أن التحاور مع الآخر ضرورة وسيجد هذا الآخر كل الآذان الصاغية والقلوب المفتوحة سواء التقينا معه فكريا أو افترقنا ما دمنا نمتلك خطابا مشتركا.

تحقق أيضا

عبد النباوي يطلع وفدا من المدعين العامين بالولايات المتحدة على مسلسل إصلاح منظومة العدالة بالمملكة

الانتفاضة  استقبل الرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية، محمد عبد النباوي، اليوم الإثنين، بمقر المجلس …