خبر عاجل
You are here: Home / كتاب الآراء / أي متسع للضحك في معترك الحياة
أي متسع للضحك في معترك الحياة

أي متسع للضحك في معترك الحياة

الانتفاضة

 

بقلم محمد السعيد مازغ

 

لم تعد ضحكة الانشراح والبراءة تعلو وجوه أطفالنا ، فقدوا  الضحكة العريضة حد الثمالة التي كانت  تملأ تجاويف وجوههم  وهم يمرحون وينبسطون، وأصبحوا تعساء داخل جدارات المدرسة، لا يستهوبهم الفصل الدراسي، ولا يجدون الحماس في مشاركة أنشطة القسم،  الاستاذ بدوره لم يعد يجد متعته مع تلاميذته،وهو يشرح الدرس ويتلقى الاجوبة السليمة على أسئلته، انتهى زمن تزيين حجرة الدرس بشعارات من جدَّ وجدَ، ومن زرع حصد، وصُوَر القناص والطريدة، والمِحراث الخشبي والجرّار.. واحتلت مكانها سبورة عُلقت بها مواضيع منقولة من الكومبيوتر بأخطائها وعدم دقة معلوماتها أحيانا، انشغل الأساتذة بمشاغل الترقية، والحركة الانتقالية، وبالتعاقد والمذكرات المحذرة من العنف ضد المتعلمين .. أصبح العمل بالإدارة المدرسية عبءا ثقيلا، والمكلف بها كحامل الجمر، اذا لم يشتعل اليوم، فلا ضمان له بألا يشتعل غدا أو بعد غد.. اضحى الانفتاح على المحيط مغامرة، كما اصبحت ممتلكات الاستاذ مستهدفة، تكسير زجاج السيارات، واتهامه بممارسة العنف يسيرا، فمن أين تأتي الضحكة .. 

تربع الخوف، وترسخت القناعة بضرورة هدم علاقة المدرسة بالأسرة، وفك رباط الابوة والاستاذية بالتلميذ بعد ان اصبح سيف الاعتقال مسلطا على رؤوس نساء ورجال التعليم قاطبة، وتلاشت هيبة الاستاذ، ومكانته الاعتبارية داخل الأوساط الاجتماعية، واصبحت شواهد الاجازة والماستر والدكتوراه تعرض للبيع في مكاتب بعض الجامعات، كما تعرض الخردوات في سوق المتلاشيات، ومع ذلك، يطلب منه الضحك

 أدخل المستشفى وأنقب في الوجوه عساني أصادف مريضا استبشر خيرا بالعلاج، واطمأن قلبه على صحته، وخرج من المستشفى وهو يصيح من الفرح:” لقد شفيت.. لقد شفيت.. فلا اجد سوى أجسادا هدها المرض وأنهكها، ونال من قوتها وعزيمتها، فبدت كأشباح خائرة القوى، تنقش  الكآبة والقثامة  حروفها على الوجوه.. ولسان حالها يشكو المعاناة، يشكو الفقر والضياع.. يتحسر على وطن جاحد، يتنكر للخدمات.. يقتل الحب في القلوب،  لا موارد بشرية كافية، ولا دواء، ولا معاملة حسنة.. المتاجرة في الصحة، وإعلان صريح بموت أخلاق عدد من أصحاب البدلة البيضاء..  ازدياد عدد المرافق الصحية العمومية والعيادات الطبية، والاهتمام بالبنايات العالية والواجهات المثيرة، وفي ذات الوقت مواعيد بعيدة،  وخدمات رديئة، وعم مراعاة الظروف الاقتصادية والاجتماعية للمواطن البسيط،  مواقف مشينة تزن المواطن بما يملك من جاه، أو ما يتوفر عليه من أموال….

 

وزير صحة يهدد كل من فضح فساد المستشفيات.. كل من صور مرفقا غارقا في الاوساخ والازبال وبقايا بشرية، كل من رفع صوته احتجاجا على معاملة أفضت إلى نزيف أو وضع خارج غرفة الولادة،

مستعجلات تخال نفسك انك داخل قبة البرلمان، حراس هنا وهناك، يتحكمون في الدخول والخروج، ويطالبونك بإخبارهم بسبب الزيارة،فإذا راق لهم، تركوك تدخل، واذا لم يقتنعوا بكلامك طردوك، او أدخلوك بمقابل اعتبروه قهوة لطيفة، داخل قبة اابرلمان،عفوا المستعجلات، كل يلغي بلغاه، هذا يصيح هنا، والآخر يصيح هناك، بعضهم نائم وبعضهم َمغمى عليه، 

ورئيس حكومة سابق يقهقه داخل قبة البرلمان، يحكي عن ربطة عنق طائشة، وأشباح وعفاريت، وملايين التقاعد بلا حشمة ولا حياء، حينها فهمت معنى الضحكة المصحوبة بالقهقهات المتتالية، وكيف يصنع الضحك في دواليب الدولة. حينها تذكرت قصة حسناء أجنبية قدمت الى المغرب في إطار السياحة، واختارت منطقة جبلية هادئة، تتمعن في طريقة عيش الناس البسطاء، وبينما هي جالسة في مقهى شعبي تحتسي كوب نعناع مشحر، شدها منظر شيخ عجوز، يمتطي ظهر بغل وقد غط في نوم عميق، كان البغل يسير بخطى حثيثة نحو القرية، يقطع العقبات، ويمر عبر النهر، والرجل نائم غارق في أحلامه، ظلت تسير خلف البغل، وتصور المشهد في ذهول، وتتساءل في داخلها كيف يهرب النوم من عينها على الفراش الوثير، والمكيفات آخر موضيل، وأقراص المسكنات… والرجل المسن يرقد على ظهر الحمار، مرتاحا غير آبه بما يجري حوله، ضحكت من أعماقها حين أدركت أن راحة البال، والقناعة، افضل من الجري خلف الدنيا، وان المال لا يجلب دائما السعادة، وأن الحياة لا تستحق ان ينشغل بأمورها الانسان، وينسى ذاته ومحيطه..

وأخر من اجل نزع الضحكة من وجوهنا، اختلط عليه الامر بين كورونا الصيني،وكولونا المغربي،وسأل الله ان يرسل صينيا الى برلماننا ليعطس فيه، وبهذه النكتة سننفجر ضحكا،وسنعثر على المتعة المفقودة

ارتدي بدلتي الأنيقة، وربطة عنق منسجمة مع باقي الالوان المشعة بالحياة، ازرع الابتسامة، وأستجيب دعوة زميل دخل قفص الزوجية، اتقفى أثر أنغام القيثارة والكمان، يشد نظري رجل سمين يرقص بعفوية وسط جموع المدعوين، لا أعرف ان كانت تلك الضحكة على وجهه مصطنعة، او نابعة من أعماق القلب، وقبل نهاية الحفل، تتهاطل دموعه وتنساب على جلبابه الرمادي، اقترب من الرجل، يدفعني فضولي لاستفسر عن سبب تقلب احوال مزاجه، فأفهم ان تلك الرقصات كان يرمي بها المسكين التخفيف من الضغوطات النفسية، بعد ان فقد ثروته في مغامرة تجارية خاسرة،أتت على كل ما يملك، ولم يجد بعد ذلك صديقا ولا رحيما سوى رب العالمين، كان في حاجة الى المواساة، الى من يتفهم أحاسيسه والآلام التي تثخم صدره، فكان الاحباب والاصدقاء يؤنبونه، يستهزؤون من تصرفه، يتجنبونه في مجالسهم…

اما العريس، فذهنه الشارد، افسد عليه فرحة الزواج، وهو ةة@@يراجع حساباته، والديون التي تراكمت عليه بسبب اقتناء حاجيات العروس من ملابس وذهب وصداق، اضافة إلى قاعة الافراح، والممون ومصاريف الضيافة.. غابت الابتسامة، وسقطت كل الأقنعة، ولم تبق سوى القثامة وهجرة الضحك الى ما وراء البحار…

Share

About إبراهيم الإنتفاضة

Comments are closed.

Scroll To Top
close
Facebook IconYouTube IconTwitter Iconfacebook like buttontwitter follow button
التخطي إلى شريط الأدوات
الإنتفاضة

FREE
VIEW