You are here: Home 2 كتاب الآراء 2 مواقف العرب والمسلمين لا تترجم حقيقة الألم والغضب بعد الإبادة الجماعية للمصلين بمسجدين بنيوزيلاندا

مواقف العرب والمسلمين لا تترجم حقيقة الألم والغضب بعد الإبادة الجماعية للمصلين بمسجدين بنيوزيلاندا

الانتفاضة : بقلم محمد السعيد مازغ

خبر الجريمة الشنعاء التي ذهب ضحيتها  50 مسلما ومسلمة إلى جانب الجرحى والمعطوبين أثناء أدائهم واجب صلاة الجمعة في مسجدين بنيوزيلاندا على يد سفاح استرالي دفع بالكثير من وسائل الاعلام العربية أن تكتب على رأس صفحاتها بالخط العريض خبر عاجل..

لا أدري ما الداعي إلى العجلة، وهل يملك المسلمون غير الدموع والدعاء في مثل هذه الحالات التي تكشف بالملموس ضعفهم وخوفهم حتى من إسماع صوتهم المبحوح الذي لا يكاد يخرج عن دائرة تواجدهم، والرد على أولئك الذين يتقنون استغلال الجرائم التي يرتكبها منتسبو الدول العربية و الاسلامية ويتقنون عملية تكليب الرأي العام العالمي وتخويفه من الخطر الاسلامي ومن المهاجرين العرب. وحين يتعلق الامر بالارهاب الغربي تتحول العملية رغم بشاعتها الى مجرد جريمة عادية سببها التشبع بالفكر الاقصائي العنصري، ولا تتجاوز التعليقات والمواقف الرسمية بالتنديد بما وقع، ونبذ العنف والتعصب والتطرف العنيف بجميع أشكاله، بل وفي مثل هذه الظروف العصيبة يعبر بعض المسؤولين الغربيين عن أسفهم للمجزرة، ويشددون في نفس الوقت على ضرورة مواجهة الاسلاموفوبيا.. ومنهم من دافع عن القاتل صراحة وعبر عن عدائه للاسلام والمسلمين ، كما أن أغلب وسائل الاعلام الغربية لا يكاد وصفها للحادث  يخرج عن نطاق التعريف بالجوانب المضيئة في حياة القاتل، مشيرة إلى كونه يبلغ من العمر 28 سنة، وأنه بطل رياضي يقدم دروسا لفائدة الطلبة بالمجان.. لم يتمم دراسته الجامعية.. حمل السلاح، قتل بدم بارد، مع التركيز على تصوير المشهد المرعب.. وغاب عن الوصف تسليط الضوء على دواعي ارتكابه للجريمة وعلاقة التحريض الاعلامي المستمر ضد المسلمين بالغرب ، ودور الاحزاب اليمينية في تغذية الارهاب وزرع العنصرية والكراهية في نفوس الغربيين. والوسائل الممكنة للحد من العنف والعنف المضاد، ولماذا اختيرت نيوزيلاندا الهادئة لتكون مسرحا للجريمة.

ضعف العالمين العربي والإسلامي لم يسمح بتحرك عاجل للدول الاسلامية من أجل توحيد المواقف واتخاذ الخطوات اللازمة، أو عقد قمة طارئة لمنظمة التعاون الاسلامي وتجنيد الاعلام لمواكبة اشغال القمة، ولم يستطع في أشد حالات الاعتداء، الاعلان عن نكس الأعلام، والحداد على ضحايا نيوزيلاندا أو قيام صلاة الغائب وغيرها من المراسيم التي تبرز خطورة الارهاب والتطرف ونتائجهما السلبية على الفرد والجماعة، وتنكره للضوابط المجتمعية في أبعادها الأخلاقية والدينية والقانونية، واقترانه بالترويع والقتل والإقصاء لفرض الرأي الواحد، واخترنا طريق تجنب إغضاب الآخر بدعائنا عليه، مستأنسين ببعض الأقوال والحكم، شاكرين الله على نعمة النسيان.

نشر الشيخ عمر القزابري إمام مسجد الحسن الثاني بالدار البيضاء تدوينة في الموضوع أشار فيها الى  : ” أنَّ مشكلتنا الأساسية أننا أمةٌ سريعةُ النسيان.. أمَّة أصيبتْ في ذاكرتها.. فلم تعد تتذكر الماضي القريب فضلا عن البعيد.. بل لم تعد تعيش حتى حاضرَها.. ودخلتْ في حالة شُرودٍ وتيه.. وابتليَت بأناسٍ يُتقِنون التزوير.. ويتفنَّنُون في قَلبِ الحقائق.. ويُلبِسون الظالمَ ثوب المظلوم.. والمُنكرَ ثوب المعروف.. ويُثيرون الشبهات من كل جانب.. حتى أصبحنا نعاني نزع الاحتضار.. بينما إكسيرُ الحياة لا زال يتدفق بقوة مِن كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم..

ضعف العالمين العربي والاسلامي يتكشف كل مرة بإعادة سمفونية أن الإرهاب لا لون له ولا دين ولا جنسية، وكأن الغرب يجهل هذا المعطى وينتظر منا تلقينه دروسا في الاسباب والمسببات، وحتى في حالة الاعتداء علينا نسارع  باستجداء  العالم ومطالته بالتعقل والحكمة وفهم الظاهرة الارهابية على أنها موجة عالمية ، وليست ماركة عربية ـ مسلمة مسجلة. ومن تم فبدلا من القيام بتغطيات تتناسب وحجم الحدث  الذي يدخل في إطار الإبادة الجماعية للمسلمين داخل مكان العبادة والطمانينة، وتحويل الجريمة  الى قضية رأي عام عالمي تتحرك فيه الضمائر، وتتضامن فيه الشعوب المحبة للسلام، ويدرك الجميع انعكاس ذلك على السلم والتعايش العالمي وما يمكن ان يترتب عنه من ردود فعل ومن عنف وعنف مضاد.

الغريب في الأمر أن من يطلع على القنوات العربية، يجد أن البرامج الاداعية والتلفزية لم يطرأ عليها أي تغيير، فهي اكتفت بالاعلان عن خبر الجريمة، دون الدخول في التفاصيل، والتحليل ومشاركة الشعوب في أحزانها، والعائلات المسلمة في مصابها، ثم سرعان ما حولت انظار مشاهديها إلى البرامج الترفيهية والرياضية وغيرها من الحلقات التافهة التي تكرس الرداءة، وتغرق في حفلات الرقص والغناء، إلى جانب تكريس مسلسلات التخلف المستوردة  التي تقتل في النفس شهية تتبع أخبار ما يجري في العالم وما يحاك ضد الدول العربية والاسلامية، وبالتالي تسارع في تنفير المشاهدين من القنوات المحلية وتلعب دورا اساسيا في موت الحدث ونسيانه.

أتذكر جيدا كيف تعامل الاعلام الغربي مع قضية لوكربي حين  اسقطت طائرة الركاب الامريكية أثناء تحليقها فوق قرية لوكيربي في اسكتلاندا سنة 1988 ، ورغم استنكار العالم لذلك الاعتداء ، كانت كل القنوات الغربية والامريكية على الخصوص تجتهد في إلصاق التهم بالدول العربية الاسلامية، وتتنافس من أجل تحميل المسؤولية لبعضها وفي مقدمة ذلك منظمة التحرير الفلسطينية ثم سوريا وبعدها ايران وأخيرا وقع الإختيار على ليبيا ، وتوال التكالب على الدول التي كانت علاقتها سيئة بامريكا، وعمدت وسائل الاعلام آنذاك إلى إبراز معاناة عائلات الضحايا.. تُصَوِّر مشاهد تعاطف الشرائح المجتمعية بكثير من التفاصيل والتدقيقات في طبيعة الحادث، ومخلفاته، لدرجة أصبح شبه الاجماع على المطالبة بتعويضات مادية ضحمة تقتطع من أموال الشعب الليبي البريء وتحمله حماقة الغير والتصرفات الهمجية الابتزازية للطرف القوي.

الاعتداء على صحيفة شارلي إيبدو الفرنسية الأسبوعية الساخرة التي تمادت في  استفزازها للمسلمين بنشر صور مسيئة للنبي محمد عليه الصلاة والسلام بدعوى حرية التعبير الساخرة، كان العالم أجمع يندد بالعمل الارهابي الذي تعرضت له الصحيفة على يد ملثمين اثنين ، ولم تفوِّت فرنسا المناسبة من أجل حشد تعاطف المجتمع الفرنسي بكل شرائحه مع ضحايا الارهاب، وعمدت إلى تحويل الاعتداء إلى قضية عالمية تستأثر الاهتمام الدولي، وأعلنت حينها العديد من دول القارات الخمس استعدادها لتقديم المساعدة اللازمة لفرنسا، في الوقت الذي تجندت فيه كبرى القنوات الفرنسية في بث تغطيات تروج لكراهية الاسلام والمسلمين والمهاجرين والتسويق للاطروحة اليمينية المتطرفة، ومع ذلك تجاهلت كبريات المنظمات الإسلامية الفرنسية الابواق التي تعمل جاهدة من أجل تخويف الاروبيين، ودعت جميع الأئمة في أنحاء فرنسا إلى إدانة الإرهاب في خطبة الجمعة ، وطالبت المنظمات السبع الكبرى في بيان مشترك أئمة جميع مساجد فرنسا بإدانة العنف والإرهاب من أي طرف وبأشد العبارات. وشارك المسلمون في وقفة صامتة بعد صلاة الجمعة حدادا على ضحايا هجوم الصحيفة، إلى جانب المشاركة في كل التظاهرات والمسيرات والخطابات، واستمرت بيانات التضامن من جميع المنظمات معربة عن صدمتها وحزنها العميقين لمقتل الصحافيين ورجال الأمن، وعن تضامنها مع أسر الضحايا…

هذه الأجواء المشحونة فرضت فتح جدال ونقاش حول المسموح به والمحضور ، وخلص في الأخير إلى ضرورة احترام المعتقدات وعدم مصادرة الحق في التعبير، ونبذ العنف ومسبباته، دون النبش في مصادر التمويل والافكار التضليلية والعنصرية التي تروج بدعم من الطبقة السياسية عبر وسائل الاعلام التي تخلت عن وظيفتها المشروعة في نقل المعلومة وملاحقة الاخبار، إلى بث رسائل الكراهية والانتقام ، و هدم اسس الديمقراطية ، والارتماء في احضان اليمين المتطرف العنصري.

Please follow and like us:

Leave a Reply

إعلن لدينا
close
Facebook IconYouTube Icon
الإنتفاضة

FREE
VIEW