خبر عاجل
You are here: Home / دولية / هكذا يُفْهَم الصراع في مصر الآن!

هكذا يُفْهَم الصراع في مصر الآن!

images

دَعوني أبدأ بـ “بديهية”؛ فإنَّ أسوأ شيء هو نسيان “البديهيات” في اللحظات التاريخية الثورية الحرجة والحاسمة. 

إنَّ الإنسان الثوري، أيْ الذي يريد تغييراً لواقع الناس بما يجعله أكثر توافقاً مع المصالح الحقيقية والواقعية لأكثريتهم، يحتاج أوَّلاً إلى أنْ يُحْسِن فهم وتفسير وتعليل هذا الواقع؛ فإذا أخفق في هذا فلن يتمكَّن أبداً من التغيير الذي يريد ويعتزم؛ أقول هذا وأنا أعلم أنَّ للتاريخ منطقه، وأنَّ كثيراً من الأشياء التي تظهر إلى حيِّز الوجود التاريخي لم يكن لها من وجود، من قبل، في وعي الناس وخططهم.
مِنْ ذِكْر هذه “البديهية”، والتذكير بها، أَدْخُل في صُلْب الصراع المحتدم الآن في مصر، فأقول إنَّ أسوأ ما في أمْر هذا الصراع هو أنَّ كثيراً من المهتمين به، أو المتورِّطين فيه، لا يُحْسِنوا فهمه وتفسيره وتعليله، وكأنَّ “الفوضى الفكرية” هي، أيضاً، جزء من فوضاه العامَّة.
وإنِّى لأرى كثيراً من “الفوضى الفكرية” في رؤى ومواقف المثقفين المصريين من أهل اليسار والعلمانية؛ فهؤلاء يَفْهَمون الأمور الآن بما يوافِق المنطق (اللامنطقي) الآتي: إنَّ اليساري (والعلماني) لا يمكنه إلاَّ أنْ يكون في “عداء فكري عميق” لكل جماعة تبتني لها، أو تشتق، “هوية سياسية” من “الإسلام”، وإنَّ كل من يعادي “الإسلام السياسي (وأحزابه)”، من ثمَّ، لا بد له من أنْ يكون من أهل اليسار والعلمانية، أو من أقربائه.
هذا هو منطقهم (اللامنطقي من وجهة نظر الواقع الموضوعي للصراع) الذي يُزيِّن لهم التحالف مع قوى وجماعات معادية لثورة الخامس والعشرين من يناير؛ لكنَّها تتدثَّر وتتسربل بالعداء للرئيس المعزول مرسي، ولجماعة “الإخوان المسلمين”، وحزبها السياسي، وحلفائها من “الإسلام السياسي”.
كلاَّ، ليس في هذه الطريقة يُفْهَم، أو نُحْسِن فَهْم، الصراع في مصر؛ وأنا شخصياً أفهمه على النحو الآتي: كل ثوري (كل يساري وعلماني..) يجب أنْ يكون في خصومة (فكرية عميقة وشديدة) مع جماعات “الإسلام السياسي”؛ لكن هذا لا يعني، ويجب ألاَّ نجعله يعني، أنَّ كل ما يناصِب جماعات “الإسلام السياسي” العداء يجب أنْ يكون ثورياً.
أنا أخاصمهم، وأحمد شفيق يخاصمهم؛ فهل هذا يعني، أو يجب أنْ يعني، أنْ أكون وأحمد شفيق في خندق واحد، أو في حِلْف ضدهم؟!
إذا أردت أنْ تكون خصماً “محترماً”، و”جيِّداً”، لنهج الرئيس مرسي، وجماعته، وحزبه، فإنَّ عليكَ أنْ تأتي بالدليل العملي والقوي على ذلك من طريق وقوفِكَ، في الوقت نفسه، ضدَّ أحمد شفيق، وجمهوره في “الميدان”، وضدَّ كل ما يمتُّ بصلة إلى عهد مبارك، وضد (الآن، وعلى وجه الخصوص) السيسي وحكم العسكر، الذي هو الآن قاب قوسين أو أدنى من انتهاج “الفاشية” في الصراع والحكم؛ وإيَّاكم أنْ تقولوا إنَّ “الفاشية” عديمة الجذور (أو الوزن) الشعبية؛ فالملايين من الشعب نزلوا إلى الشارع من قَبْل مبايعةً لموسوليني (وهتلر).
بعضهم قال لي، مبرِّراً، عداءه لجماعة “الإخوان المسلمين”، وتحالفه مع أعدائهم من أهل وأقرباء مبارك، إنَّ هذه الجماعة “منظمة فاشية دولية”، لا وطن لها، تخدم (في نهجها وعملها) القوى الإمبريالية؛ وإنَّها كالرأسمالية، لجهة عدم انتمائها إلى وطن.
ومع أنَّني أعلم أنَّ هذه الجماعة تتعصب، في المقام الأوَّل، لما يسمَّى “الأُمَّة الإسلامية”، لا للوطن والقومية، فلا بأس من أنْ أُذكِّر هؤلاء “اليساريين” الغيورين على “الوطن”، بأنَّ مؤسِّس “الفكر اليساري” في العالم (كارل ماركس) هو القائل “يا عمَّال العالَم اتَّحِدوا؛ وليس للعمَّال وطن، ولا يمكن، من ثمَّ، أنْ تسلبوهم ما لا يملكون”.
وإنَّهم يَفْهَمون القضاء على جماعة “الإخوان المسلمين”، ولو من طريق حربٍ يشنها العسكر (بزعامة السيسي) عليهم، على أنَّه “نِعْمة ديمقراطية”؛ لأنَّ هذه الجماعة مجبولة على العداء للقيم والمبادئ الديمقراطية، وتَفْهَم “الانتخابات (الحُرَّة النزيهة)” على أنَّها “بَغْل” تركبه للوصول إلى السلطة، فإذا وصلت إليها، وأحكمت قبضتها عليها، قَتَلَت هذا “البغل” حتى لا يركبه غيرها.
كلاَّ، إنَّ الثوريين لا يَقِفون أبداً مع العسكر في سعيهم إلى القضاء على جماعة “الإخوان المسلمين”، بعد تصوير الآلة الإعلامية للعسكر لهذه الجماعة على أنَّها “قَوْم من الإرهابيين”؛ فالثوريون يصارعون تلك الجماعة بوسائل وأسلحة وأساليب تكفل لهم إقامة برزخ بين هذه الجماعة (وفكرها ونهجها) وبين الشعب؛ فالأمر الذي ينبغي له أنْ يستأثر بالاهتمام ليس “الكلام الفكري والسياسي” لجماعة “الإخوان المسلمين”، وإنَّما أنْ يُجاب ثورياً عن السؤال الآتي: لماذا يَقَع هذا الكلام على أسماع شعبية تشبه سمع الجماعة؟
وبعد ذلك، لا بدَّ من خوض الصراع بما يوافِق تلك الإجابة.
وبعضهم اكتشف الآن أنَّ “الحداثة (والمعاصرة)” خيرٌ وأبقى من “الانتخابات”؛ و”الحداثة” هي، في فهمهم وتعريفهم لها الآن، كل ما يبقى الدولة والمجتمع بمنأى عن مخاطِر “الأسلمة”؛ وكأنَّ شعارهم من ثمَّ هو “لا لصندوق الاقتراع (الشَّفاف) إذا ما جاء بالإسلاميين (أعداء “الحداثة”) إلى السلطة، ونَعَم للسيسي وعسكره إذا ما اتَّخَذ الفاشية طريقاً إلى الحداثة”!
إنَّهم يريدون لمصر “أتاتوركاً” مصرياً، يحكمها بالعسكر والعداء للإسلاميين، ينشر “الحداثة”، أيْ ما يمكنه نشره من قِيَم ومبادئ الحياة الديمقراطية الغربية، ويَصْنَع “صندوق اقتراع” يَضْمَن بقاء الحكم الفعلي في البلاد في أيدي العسكر، وبقاء “الإسلاميين” ليس في خارج الحكم فحسب، وإنَّما في خارج المعارَضَة (الشرعية الدستورية).
و”المأساة ـ المهزلة” هي أنَّ غالبية هؤلاء الأعداء لجماعة “الإخوان المسلمين” لا يَمُتُّون بصلة إلى هذه “الحداثة”، ولا إلى “قِيَم ومبادئ الدولة الديمقراطية المدنية الحديثة”؛ فَهُم أبناء “العهد القديم” وقد لبسوا لبوس “الحداثة” في صراعهم (الذي لا ناقة ولا جَمَل للثوريين فيه) ضدَّ “الإسلام السياسي”.
وثمَّة كلمة حقٍّ يُراد بها باطل الآن؛ وهذه الكلمة التي يصدحون بها الآن هي “الديمقراطية ليست صندوق اقتراع فحسب”؛ وعندما يُحْكم العسكر قبضتهم الفاشية على مصر وشعبها وثورتها قد نسمعهم يقولون أيضاً إنَّ “الديمقراطية ليست الحرِّيَّة في التعبير.. فحسب”!
إنَّكم، وبتغنيكم بهذه “الديمقراطية المغشوشة”، إنَّما تَدْفَعون مصر إلى هاوية الدكتاتورية العسكرية؛ وأنا أعلم أنَّكم ستندمون، ولكن بعد فوات الأوان؛ فندمكم مع ما يخالطه من حكمة بعد خراب البصرة سيشهد على أنَّكم كنتم قَوْماً من الأغبياء.
أمَّا ما أضحكني كثيراً فكان قول بعضهم إنَّ السيسي، بدعوته “الشعب” إلى النزول إلى الشارع، مبايعةً له في “حربه على الإرهاب”، أثبت أنَّه أعظم الديمقراطيين في العالَم؛ فهو اختار “الديمقراطية الشعبية المباشِرة”؛ وعلى فولتير ومونتسكيو وجون لوك وتوماس هوبز وجان جاك روسو أنْ يتعلَّموا منه!

 

 

About إبراهيم الانتفاضة

Comments are closed.

Scroll To Top
الإنتفاضة

FREE
VIEW