You are here: Home 2 كتاب الآراء 2 ليلة على الرصيف

ليلة على الرصيف

الانتفاضة

    كان الظلام لا يزال مطبقا عندما استيقظت وتوجهت إلى محطة الحافلات للسفر لمدينة مكناس؛ المدينة الخصبة التي تظل فاتنة في كل حالاتها. ومنها للرباط  التي لم أزرها سوى مرتين: إحداهما كانت العام الماضي. وصلنا والنهار على وشك أن ينتهي، نزلنا في المحطة واتجهنا مباشرة إلى مبنى كبير مطلى باللون الأبيض يحيط بها بستان مخضر يبعث السعادة في النفوس كما يبعث فيها التبرم والتأفف. كانت الطريق ملآى برجال شرطة كثر فظننت لوهلة أننا ولجنا ثكنة عسكرية خطأ. لكن، سرعان ما تلاشى ما اعتقدته عندما رأيت أشخاصا يحملون حقائب ظهر يسيرون في نفس الاتجاه الذي نسير فيه. أمعنت النظر فيهم وقرأت في أعينهم الرغبة ذاتها التي لأجلها قطعنا نحن أيضا كل هذه المسافة. اقتربنا قليلا فتراءى لي حشد غفير من الناس لا يعد ولا يحصى؛ بعضهم أرهقه السفر وافترش الأرض وبعضهم يتحادث ويتضاحك ، والبعض الآخر غارق في البحث عن بعض.

     اتخذت وصديقاتي مكانا بين هذه الأمواج البشرية وجلسنا على الأرض الدافئة ولف الصمت للحظة المكان لا يقطعه إلا تنهيدة أو صوت محرك سيارة يتوقف. رحت أتصفح وجوه المارة واحدا تلو الآخر حتى انتهى بي الأمر وسط حديقة باريسية يكاد جمالها يضاهي جمال كليوباترا، وقبل أن أغوص وسط الورود الأرجوانية تناهى لسمعي صوت أحدهم يقول: ناضل يا مناضل..رفعت بصري فلمحت شابا طويل القامة يرتدي سروال جينز ووزرة بيضاء. يحمل بوقا ولافتة كتب عليها: الكرامة، العدالة، المساواة. تحلق الجميع حوله وتعالت الأصوات مرددة شعارات لا تكاد تخلو من وصف للقهر الذي نعانيه.

    قمنا من مكاننا بعد أن أخذنا قسطا من الراحة وانتظمنا صفوفا متراصة وانطلقنا في مسيرة لا تكاد تعرف بدايتها من نهايتها. سرنا في الشارع المتجه نحو مركز المدينة يحدونا الأمل بغد أفضل وتعلو الابتسامة محايانا. وكنا ما إن نمر أمام مبنى من المباني حتى تمتلأ النوافذ برجال ونساء وأطفال يلوحون لنا بأيديهم ويرددون معنا الشعارات. بعد أكثر من ساعة من المشي وصلنا للمكان الذي يفترض أن نمضي فيه الليلة. ويا للعجب، رجال الشرطة يطوقونه من كل الجوانب وهم على أهبة الاستعداد لكسر جماجمنا. أبصرتهم من بعيد وقلت مخاطبة نفسي:” لو أرسل هذا الكم من الجنود لفلسطين لحررها من ربقة الاستعمار.” لم نعر الأمر اهتماما أكثر مما ينبغي لذلك قصدنا زاوية جميلة على قارعة الطريق وفرشنا إيزارا ثم استلقينا عليه واحتلفنا السماء. كانت النسمات الهوائية تداعب وجوهنا بلطف وتأخذنا معها إلى حيت لا ندري. ومع أن منظر الدوريات والخوذ والشاحنة الرشاشة أمامنا يثير أعصابنا الرائجة، إلا أن، الابتسامة لم تفارق شفاهنا طوال تلك الليلة. توسدنا الحقائب وبدأت الأحلام الوردية تغازلنا لكن، خيبة الأمل كانت كبيرة، فما هي إلا لحظات حتى أخذت قوات الأمن تتحرك وتزحف نحونا وكانت الساعة تشير آنذاك إلى الثانية والنصف بعد منتصف الليل وعلى ما يبدو أوكل لهم مهمة تشريدنا في الشوارع؛ لأن الشرطة عندنا لا تخطو خطوة إلا بعد تلقي الأوامر من أسيادها. استرقت النظر للأعلى فلمحت دبابة تبلل كل من حولها لا تفرق بين النبات والإنسان، الشيء الذي أثار استياء الجميع وغضبه وعكر صفو المكان.

     ساد الضجيج والعجيج بيننا وعم الصخب الأرجاء، فتحولت الليلة الهادئة إلى ليلة مرعبة بوليسية. بقينا عدة ساعات نجيء ذهابا وإيابا نحن ورجال السلطة الذين أبوا إلا أن يلاحقوننا في كل مكان. كنا نفترق بين الدروب والأزقة الرباطية ثم نعود ونجتمع ثانية ونسير جنبا إلى جنب كأننا جسد واحد. وعندما أشعر وأصدقائي أننا لم نعد نقوى على المسير ننزوي في ركن بناية لنعيد جمع أنفاسنا المتقطعة.

     كانت ليلة قاسية جدا استبد بنا فيها الضيق بسبب ما نعانيه من استغلال وتسلط منقطعي النظير فانتفضنا لا لشيء، إلا، لأننا كرهنا إذعاننا للقرار الذي سلب منا كرامتنا. عشنا الليلة في انتظار أن يرفع الستار عن الصباح الذي لم يكن يفصلنا عنه سوى بضع ساعات وقد نال منا الإجهاد ما نال، وبدا التعب والعياء على وجوهنا الشاحبة. لذلك كان من الضروري أن نأخذ قسطا من الراحة  توسدنا جدار حائط  قرب محطة بنزين وأغمضنا أعيننا ننشد غفوة لا نشعر بشيء مما حولنا. وما لبثنا أن غبنا في نوم عميق حتى استيقظنا على صوت صفير مرتفع. قفزت من مكاني وركضت صوب مصدر الصوت، فلمحت شبابا في مقتبل عمرهم  ينطلقون كأنها السهام لا تعرف وجهتها، ودوي سيارات الشرطة خلفهم  يطرق الأسماع.  

    وأذكر صباح اليوم، أني رأيت تلك الأمواج البشرية نائمة على الأرصفة وبين الأزقة وداخل المقاهي. لقد أنهكهم الركض وأدمت قدما البعض منهم بسبب المسير الذي دام لخمس ساعات تقريبا. لقد طلع الصباح على وجوه يكسوها العياء وأجساد وشمتها هراوات العساكر. لقد كنت أتخيل أشياء كثيرة، لكن ما حدث تلك الليلة لم يخطر على بالي يوما.

بقلم: فاطمة زرياح

Please follow and like us:

Leave a Reply

إعلن لدينا
close
Facebook IconYouTube Icon
الإنتفاضة

FREE
VIEW