خبر عاجل
You are here: Home / كتاب الآراء / قراءة في كتاب:  الشرايين المفتوحة لأمريكا اللاتينية “لإيدواردو غاليان
قراءة في كتاب:  الشرايين المفتوحة لأمريكا اللاتينية “لإيدواردو غاليان

قراءة في كتاب:  الشرايين المفتوحة لأمريكا اللاتينية “لإيدواردو غاليان

الانتفاضة

سعيد كنيش

صاحب الكتاب هو”إدواردو غاليانو”الأورغواياني أحد أعظم كتاب أمريكا اللاتينية على قيد الحياة، وككل كتابها الكبار فهو يجمع بين الصحافة والرواية والتاريخ والسياسة. الكتاب الذي أقترحهو من أهم وأشهر كتبه؛ وحين صدر لأول مرة سنة 1970 منع في جل دول أمريكا اللاتينية. وتم إعادة إصداره سنة 1978 مع تحيين بعض المعطيات وإضافات جديدة.

عندما زار القائد الراحل “هوغو تشافيز” الولايات المتحدة سنة 2009 قام بتقديم الكتاب للرئيس الامريكي كإهداء، فقفز الكتاب في مبيعات الكتب إلى الرقم 2 الاكثر مبيعا في الولايات المتحدة آنذاك و إلى الرقم 11 في أوروبا، فالكتاب لا يزال يحتفظ بكل راهنيته.

الكتاب بمثابة عرض تاريخي لغزو أمريكا اللاتينية من طرف الامبراطوريات في أوربا الغربية، تم الولايات المتحدة تاليا، و الجرائم التي ارتكبت – لازالت-  ضد الشعوب الاصلية ساكنة “القارة الجديدة ” ، وكيف تم توطين النظام الاستعماري فيها أو كما يسميه “غاليانو” بنظام الشرايين المتصلة بأروبا وأمريكا الشمالية  التي تستنزف الانسان والارض؛ أيضا الثورات وأشكال المقاومة التي سطرتها الشعوب مع أبطالها و القمع والخيانات التي تعرضت لها في صراعها المستمر ضد الانظمة الداخلية و”الوحش الخارجي” الذي يلتهم البشر والثروة والغابات والانهار.

 وقائع تبدوبشكل لا يصدقه العقل الانساني، لكنها حقيقة ناصعة لا زالت واقفة وناطقة في عصرنا الحالي. كذلك يحلل الكتاب أسباب إخفاق مشاريع الاستقلال ووحدة الامة في أمريكا اللاتينية، والتضحيات التي قدمت لكسر التبعية وبناء اقتصاد مصنع واصلاح زراعي والعدالة الاجتماعيةلمصلحة شعوب أمركا اللاتينية.

عندما أنهيت  القراءة في هذا الكتابشعرتبالرغم من الاختلاف الكبير في الوقائع والاحداث والشخوص، أنني أقرأ فيما يشبه التاريخ الحديث لمنطقتنا و لشعوبنا المغاربية والعربية.

أقول صراحة إنني أقوم بنوع من إغواء القارئ لقراءة الكتاب دون الاكتفاء بهذا النص من إعدادي؛ففي الغالب لا نلتفت وننفتح كما ينبغي على الانتاج المعرفي العلمي والابداعي في جميع المجالات لكتاب امريكا اللاتينية ولتجارب نضالات شعوبها؛ مع أنها  تشكل حقل  تجارب في مواجهة مباشرة  ومتقدمة مع مخططات الامبريالية الامريكية.

1- المعادن النفيسة:  الدين الجديد للرأسمالية الناشئة

في البداية يعلن الكاتب بلا تردد أنه: ” يرى أن التاريخ هو عبارة عن نبي يوجه بصره إلى الخلف ليرى ما كان، وضد من كان، ويعلن ما سيكون”. من أجل ذلك يسعى الكتاب لتقديم سردا للنهب، ويحلل آليات استنزاف الرأسمالية العالمية لثروات أمريكا اللاتينية وتدمير حضارات الشعوب الاصلية. فيظهر الغزاة الاولين في سفنهم الشراعية المحملة بالفضة والدهب والعبيد، والغزاة الجدد في الناقلات العملاقةومشاة البحرية الامريكية وحاملات الطائرات ، وبعثات  الشركات الاحتكارية ومؤسسات القروض الدولية في وقائع لتاريخ لا زال متصلا.

لا عجب أن يتزامن تاريخ انطلاق غزو الأوروبيون سنة  1492 للقارة ” الجديدة ” ( هكذا بدون اسم ) عبر البحر، مع سقوط بلاد الاندلس واستعادة غرناطة. لقد أصبحت آنذاك الملكة إيزابيل راعية لمحاكم التفتيش المقدسة بعد قيام هده المحاكم بقتل وطرد المسلمين واليهود من الاندلس. لذلك أعطيت لحروب غزو “الاراضي الجديدة” فيما وراء البحر طابع القداسة من طرف الكنيسة، وامتزجت حملات الغزو “بخدمة الرب وصاحبة الجلالة ونيل الثروات ضد هرطقة السكان المحليين” كما كانوا يقولون”.

في البداية كان هناك في “العالم الجديد” دهب وفضة بشكل مذهل وبكميات ضخمة، في المكسيك وجبال الانديز وجزر الانتيل. بدأت الغنائم تصل إلى إشبيلية بعد مرور 15 سنة على بداية الغزو . وباستثناء “كولومبس” “وماجيلان”، فإن الغزاة المغامرين أصبحوا يمولون  تكاليف حملاتهم من طرف قروض التجار والمصرفيين.لقد أصبح حقا الاله والانجيل الجديد للغزاة هو الدهب والفضة.

 بدأت إبادة السكان الاصليين في مصافي الدهب وكنوز الفضة، والموت بالانتحار الجماعي غما وخوفا من جحيم العمل في المناجم مع توالى البعثات والحملات. لقد هزم السكان الاصليون بسبب الذهول والخوف أمام عدو اعتبروه في البداية حسب معتقداتهم، كأنه عودة لآلهة منتقمة تريد تصفية حسابات مع شعوبهم. تم كان فتك الباكتيريا والفيروسات والاوبئة الاخرى بالسكان المحليين التي حملها معهم الغزاة، الحليف الفعال في جرائم الابادة. كانت آنذاك الكنيسة البابوية في روما منشغلة بالجدل حول ما إذا كان ” للهنود” أرواحا، أي هل هم آدميين؟

كتب كارل ماركس في المجلد الاول من كتاب رأسمال: ” إن اكتشاف منابع الدهب والفضة في أمريكا ، حملة الابادة، العبودية، ودفن السكان الاصليين في المناجم، وبدء غزو ونهب الهند الشرقية، وتحويل القارة الافريقية إلى ساحة لصيد العبيد السود؛ كل الوقائع تشير إلى بدء الانتاج الرأسمالي. هذه العمليات الملحمية تمثل عوامل رئيسية أخرى في حركة التراكم البدائي للرأسمال/Accumulation primitive du capital”.

يشرح “أرنست مانديل” التراكم البدائي للرأسمال ويضيف : إن قيمة الدهب والفضة التي نهبت من أمريكا حتى عام 1660 ، والغنيمة التي نهبتها الشركات الهولندية من أندونيسيا من 1650 إلى 1780 ، وأرباح الرأسمال الفرنسي من تجارة العبيد خلال القرن الثامن عشر، والارباح التي تحصلت من عمل العبيد في جزر الانتيل البريطانية، والنهب الانجليزي للهند خلال نصف قرن؛ تفوق الحصيلة لكل الرأسمال المستثمر في كافة الصناعات الاوربية في سنة 1800 .  وقد حفز هذا التراكم خلق ” روح الشركة” ومولت بشكل مباشر الصناعات التي أعطت دفعة قوية للثورة الصناعية. ولكن في نفس الوقت فإن هذا التركيز العالمي الفريد للثروة،  قد أغاق باب الانتقال إلى الرأسمال الصناعي في البلاد المنهوبة. لتصبح هذه البلدان في مواجهة عالم أغرقته المواد المصنعة من قبل صناعة الدول الرأسمالية الغربية الناضجة، والحكم بالخراب على المنتوجات المحلية.

2- تشكل النظام الرأسمالي العالمي: دول تختص بالربح ودول تختص بالخسارة

 كان البحث عن الدهب والفضة هو السبب المباشر للغزو، لكن بعد الابادة الشاملة للسكان الاصليين ( من أصل 70 مليون في الأمريكيتين لم يبق إلا ثلاثة ملايين بعد قرن ونصف من الغزو الأوروبي الغربي حسب الابحاث الحديثة الموثوقة المصدر )؛ بدأ فصل جديد حيث انبعثت العبودية الاغريقية والرومانية من جديد في مكان مغاير. وانضاف إلى جحيم السكان الاصليين بعد إبادتهم، المصير المظلم للزنوج المنتزعين من قراهم في أفريقيا للعمل في المناجم والحقول الزراعية الكبيرة والخصبة التي بدأ في انشائها ، وبذلك تشكلت أكبر قوة عاملة تمركزت في القرن 18 والقرن 19 ، لإتاحة أكبر تمركز للثروة في أورباالغربية منشأ الرأسمالية،  لم تستطع امتلاكه أية حضارة في التاريخ على الاطلاق.

أخضعت القارة الجديدة بأراضيها الممتدة وثرواتها التي لاتحد لنظام استعماري استيطاني تتقاسمه امبراطوريات القرن 16-17-18 (اسبانيا والبرتغال فرنسا وانجلترا). بدأ استقدام فيالق هائلة من زنوج أفريقيا كقوة عمل مجانية ووقود بشري للاحتراق في المناجم و المزارع الجديدة بعد إبادة شبه كاملة للشعوب الاصلية، وتضاعف عددهم عشرات المرات. ومع الثورة الصناعية واختراع آلة المغزل والنول والالة البخارية في انجتترا أعطت دفعة قوية لصناعة النسيج وتزايد فجأة الطلب على القطن، وتدفق العبيد إلى مزارع القطن في البرازيل وغيرها، و من بعد في جنوب الولايات المتحدة.

ما يحاول أنصار النظام الرأسمالي اليوم من اقتصاديين في “مدرسة شيكاغو” أو دعاة أسطورة “اليد الخفية للسوق”،أن يخفوه من تاريخ أسباب “نجاح” و”ازدهار” المجتمعات الرأسمالية ، تكشفه وقائع تاريخ أمريكا اللاتينية الذي يعرضها “غاليانو” في كتابه بتسلسل، منذ القرن الخامس عشر- عصر النهضة في أوربا- وانطلاق النزعة التجارية للرأسمالية ( المرحلة المركنتيلية ). و يبدو  تاريخ العالم الرأسمالي كما يقول “غاليانو” دول تختص بالفوز ودول تختص بالخسارة”. أما أمريكا اللاتينية كما نسميها اليوم فقد كانت سباقة إلى التخصص في الخسارة منذ أربعة قرون. وهو ما تعيشه اليوم الشعوب الفقيرة في أطراف عالم الرأسمالية الموسعة من أجل أن يتوسع الفقر وتتركز الثروة.

 لا يمكن شرح تشكل المراكز الغنية للرأسمالية كما يعرض الكتاب، بدون وجود الاطراف الفقيرة والخاضعة؛ فهناك تكامل بينهما داخل المنظومة الرأسمالية . فقد تشكلت بنية الاقتصاد الاستعماري في بلدان الاطراف التي تقدم المواد الاولية الخام والمنتجات الزراعية المختلفة إلى الأسواق الخارجية (اوربية غربية وشمال أمريكية) أكثر مما تستهلك، وتستورد مواد مصنعة ومواد غذائية لسكانها تفوق قيمة صادراتها بأربع مرات.

خلال هذه العملية التاريخية بدءا من مرحلة المعادن النفيسة تم المنتوجات الزراعية والغذائية التي تلتها ومرحلة المواد الخام الصناعية تم البترول والغاز في بداية القرن20؛ تشكلت هوية كل بلد واقليم حسب ما ينتجه وما ينتظر منه من طرف أوربا الغربية ، و فيما بعد الولايات المتحدة. و كما يقول “بول باران: ” لقد نمت أسواق العالم الاستعماري وكأنها مجرد ملحقات للأسواق الداخلية للرأسمالية حديثة الولادة”.

3- النظام الاستعماري الجديد في أمريكا اللاتينية

برزت المزارع الكبيرة التي تستخدم العبيد كيد عاملة أولا في البرازيل تم في جزر الانتيل نتيجة الطلب المتزايد من وراء البحر على السكر/ الدهب الابيض. وكنتيجة لخضوع مزارع قصب السكر لاحتياجاتالأسواقالأجنبية، تشكل نظام اقتصادي واجتماعي للمزارع المسماة “لاتيفونديا”، تتعايش فيه ثلاثة أنظمة عصور مختلفة: عبودية – اقطاعية – رأسمالية تجارية. فأصبح هذا النظام واحدا من الحبال التي تلتف على عنق أمريكا اللاتينية وتسهم في خنق أي تطور اقتصادي.

 نفس الامر يقال عن منتوجات زراعية اخرى كالكاو والبن و الكروم والقطن والمطاط والتبغ والفواكه كالموز، تم اللحوم والاصواف وغيرها .فقد شكلت هذه المزروعات الجديدة والأحادية خرابا على التربة البكر التي استنزفتها، وأيضا على الغابات الكثيفة والمتنوعة التي تم حرقها وقطعها من أجل التوسع في المزارع. فهناك  اليوم في كل بلدان أمريكا اللاتينية واحد ونصف من المائة  من الملاك الزراعيين يملكون نصف الاراضي القابلة للزراعة، لكنهم يزرعون 5 % منها، وتضطر جميع هذه البلدان إلى استيراد أهم الحاجيات الغذائية الاساسية لشعوبها.

كانت هذه المنتوجات الزراعية جديدة ومفروضة من الخارج، تاريخها في الحقيقة كما يقول غاليانو مرتبط بتاريخ  سلب أراضي السكان الاصليين مع المذابح المنظمة، وتشكيل المزارع الكبرى/ لاتيفونديا المكونة من آلاف الهكتارات، ونظام للعمل شبه عبودي بالرغم من صدور قانون إلغاء العبودية  مثلا في البرازيل سنة 1888 .

لقد سرقوا  الرواسب العضوية من الاراضي البكر ومن العمال رئاتهم . أما الشركات الاجنبية من أمثال شركة  ” أندرسون كلايتون وشركاؤه”  وشركة “اليونايتد فروت” الامريكيتين، والوسطاء، فقد أتقنوا التلاعب في الحفاظ على أسعار متدنية لهذه المنتجات لمصلحتهم و تحديد حجمها القابل للتصدير عبر التحكم في الاسواق العالمية، مقابل بضائع باذخة تستوردها الطبقات الحاكمة في أمريكا اللاتينية بأسعار خيالية.

بعد تشظي أمريكا اللاتينية إلى عدة دول في حروب الاستقلال ضد اسبانيا والبرتغال عند مطلع القرن 19 ، خابت آمال الذين حاربوا  وقدموا دمائهم من أجل الاستقلال والوحدة؛ وبرز السادة الجدد لأمريكا اللاتينية في موقع السلطة: الملاك الكبار للأراضي الزراعية والعملاء التجاريون وأصحاب المناجم وجيش من الطفيليين، ليشربوا أنخاب التجارة الحرة مع السيد الانجليزي والفرنسي والامريكي الشمالي.

تلى ” الاستقلال” تاريخ من الخيانةوإحباط اجتماعي واقتصادي وقومي، وسقطت كل البلدان في التبعية والقهر والاستغلال الطبقي. كان لابد أن ينشأ في حاضنة هذا النظام الاستعماري لأمريكا اللاتينية أنظمة ديكتاتوريةدموية تحمي مصالح  الشركات الاجنبية ومصالح عائلات أوليغاركية محلية وملاك كبار وبورجوازية ليس لها من اسم إلا الموطن الجغرافي. تستحوذ على عائدات المناجم و صادرات الاراضي الزراعية من العملة الصعبة، لتصرفها على مشترياتها الباذخة. وظيفة هذه الطبقات المسيطرة هو خدمة الرأسمال الاجنبي لأن وجودها مرتبط بالرأسمال و بالأسواق الخارجية .

كان لابد أيضا أن يزرع هذا النظام بذور الثورات الاجتماعية التي تمحورت في معظمها على قضية الاصلاح الزراعي والاستقلال السياسي والاقتصادي والعدالة الاجتماعية، و كانت تسحق هذه الثورات دون إبطاء بالدم والنار في كل مكان من طرف كوكبة من الديكتاتوريين، من أمثال ” خورخي أوبيكو” في غواتيمالا و”مكسيمليانو هرنانديز” في السلفادور و”تيبرتيو كارياس” في الهندوراس و ” أنستازيو سوموزا في نيكراغوا، “كاستيلو برانكو” في البرازيل، بينوشي في الشيلي مدعومين من طرف أوربا الغربية والولايات المتحدة الامريكية.

عندما أصبحت أمريكا الوسطى والجنوبية ملحقة طبيعية للولايات المتحدة حسب مبدأ الرئيس الامريكي “مونرو”، وأصبح سفراؤها هم الحكام الفعليين. اغتصبت وضمت أراضي مكسيكية بحجم مساحة الارجنتين، وعرفت بلدان مثل نيكارغوا والهندوراس السلفادور وبوليفيا، غواتيمالا حملات للغزو من طرف حكومة الولايات المتحدة على يد مشاة البحرية لإخماد الثورات المشتعلة بدءا من منتصف القرن 19 إلى اليوم، وفرضت عليها قروضا مالية وتوقيع معاهدات تحت المدافع . واقتطعت أجزاء من كولومبيا لخلق دويلة جديدة هي بنما من أجل أن تتاح للولايات المتحدة طريقا تجاريا للمواصلات بين المحيطين، واحتلت هايتي لمدة تزيد عن 20 سنة.كانت موانئ أمريكا اللاتينية التي تصدر منها ثروات سطح الارض وباطنها في طريقها إلى مراكز الثروة البعيدة، تكبر وتنموواجهة مدنها، بينما ينتشر الخراب في محيطها وربوعها الداخلي.

يذكر ” غاليانو” قارئه بأن الولايات المتحدة مثلا، لا يمكن أن تستغني عن المواد الاولية في أمريكا اللاتينية لنمو صناعتها. وهناك تطابق بين مصالح الرأسماليين الامريكيين والامن القومي للقوة الاعظم سواء في وقت السلم أو الحرب. فالاحتياجات للمواد المعدنية تتزايد باستمرار مع تطور السكان ومستوى العيش وتوسع نفوذ الامبراطورية، ونضوب الكثير منها أو انعدامها في داخل الولايات المتحدة مثل: البترول، النحاس ،الزنك، الالمنيوم، البو كسيت، الحديد، المنغنيز. إلخ.

هذه الحقيقة توضح كيف أن المعادن في باطن أرض أمريكا اللاتينية تنتج الانقلابات وتغيير الحكومات. وفي العديد من المرات يقع انقلاب عسكري فقط من أجل تغيير في بعض بنود عقود الاستثمار لاستغلال منجم او بئر بترول من طرف الشركات الامريكية.

يتناول ” غاليانو” سياسة القروض التي انطلقت في بداية الستينات من القرن الماضي بعد الركود الاقتصادي، وكيف تحولت إلى مصيدة قاتلة، فانطلقت معها خلطة صندوق النقد الدولي والبنك العالمي المقدمة لبلدان امريكا اللاتينية، التي تزيد من حدة الاختلالات القائمة. فهي تحرر التجارة الخارجية وتجمد الاجور وتحجز نشاط الدولة وتخفض قيمة العملة المحلية. والنتيجة أن هذه الخلطة تزيد المريض مرضا لا سيما إذا كانت العقاقير المقدمة هي المزيد من القروض المشروطة بالتوقيع على “شهادة حسن السلوك”، وقد تضاعف حجم الديون بسبب تخفيضات العملات المحلية وتكلفة الفوائد و الجدولة. والحال أن  دول أمريكا اللاتينية مجتمعة لا تملك نصف حصص الولايات المتحدة في هاتين المؤسستين والاصوات لتوجيه سياستهما. فقد تم إنشاؤهما لفرض هيمنة أبناك “وول ستريت” في نيويورك على العالم كله بعد هيمنة الدولار.

أما المقرضون فيسترجعون مستحقاتهم عن طريق الاستيلاء على المنشآت العامة بعد تحويل الديون الغير المدفوعة إلى استثمار أجنبي.وعند العجز وعدم الوفاء عن اداء الديون، تتعاون البنوك بينها في الحصار حتى الاستسلام ورفع الراية البيضاء.

لقد ساعد هذا الغزو المصرفي بعد انتشار الأبناك الاجنبية كالفطر في أمريكا اللاتينية، على تحويل المدخرات المالية لبلدانها  إلى المشاريع الاستثمارية للولايات المتحدة المتواجدة بالمنطقة. وأصبح هدفها هو تحويل المدخرات الداخلية إلى الشركات المتعددة الجنسية.

حاليا فقد أدى العجز المزمن للولايات المتحدة في ميزان المدفوعات أصبحت القروض مشروطة بشراء سلع صناعية أمريكية تكلفتها تفوق سلع مماثلة لدول أخرى، وأصبحت تسمى “المساعدات المربوطة”.

لقد تخطت هذه القروض المالية المجال الاقتصادي البحث وانتقلت إلى التعليم العالي، في مهمة إعادة تشكيل بنيته وفقا لمعايير الاستعمار الثقافي الجديد. فالقروض المقدمة للجامعات أصبحت تستبعد تعديل اللوائح والانظمة والبرامج لهذه الجامعات دون علم وموافقة المانحين. وفي الوقت نفسه تفرض إصلاحات تربوية وإدارية ومالية محددة.

لقد حاولت التعرضلأهم الآليات/ الشرايين التي حللها “إدواردو غاليانو”، مع أن الكتاب غني بالكشف عن الاحابيل التي تلتف على عنق بلدان أمريكا اللاتينية وتستنزفها، ولا زال العمال والفلاحين الفقراء يدفعون إلى اليوم ثمن تعديلات النظام الرأسمالي العالمي بسبب الازمات الدورية. فما عادت سفن المحيط الاطلسي تنقل عبيد قرى افريقيا ، ولكن تجار العبيد الجدد يعملون الان في مكاتب وزارات العمل.

نعم وحدهم الثوار في كوبا البلد الصغير استطاعوا أن يفكوا حبال  الشرنقة والاستنزاف سنة 1959 وفتحوا الطريق لبناء مجتمع جديد، يصل فيه الجميع إلى بذور التنمية وتتواجد فيه روح التضامن في صلب العلاقات الانسانية.

 

سعيد كنيش: تمارة في 25/05/2020

Share

About إبراهيم الإنتفاضة

Comments are closed.

Scroll To Top
close
Facebook IconYouTube IconTwitter Iconfacebook like buttontwitter follow button
التخطي إلى شريط الأدوات
الإنتفاضة

FREE
VIEW