أنت هنا: الرئيسية 2 حوارات 2 فنانة فطرية تبني للموروث الشفهي وطنا في اللوحة

فنانة فطرية تبني للموروث الشفهي وطنا في اللوحة

Aziza1

الانتفاضة: كيف جاءت الفنانة عزيزة العابدي إلى الفن التشكيلي؟

ع. العابــدي : عزيزة العابدي لم تجري وراء الفن التشكيلي ،و إنما هو من  ملكها منذ الصغر. كان يراودها في كل دقيقة من حياتها بدون شعور. حيث كانت تعشق الألوان والنقوش و الزخرفة، فكل ما هو مشكل بطريقة فنية يجلب نظرها. كانت تنبهر بالمباني المعمارية وكل ما هو أصيل وعريق. وكانت قريبة كل القرب من كل ما هو عادات وتقاليد تحتفي بها  مع عائلتها وتعيشها عن قرب. و يرجع السر في ذلك أولا لانحدارها من عائلة عريقة. فالوالد، كان تاجر بزار يشتغل في مختلف أنواع الزربية، وفي الأواني النحاسية والمجوهرات النفيسة.

ثانيا ، عزيزة العابد نشأت في منزل مغربي عتيق في حي مشهور يسمى بحي القصور الكائن وسط مدينة مراكش العتيقة على مقربة من ساحة جامع الفناء ، هذا الفضاء الرحب الحيوي، الغني برواة القصص الخرافية والحكواتيين رواد فن الحلقة واستعراض سيرة ابن دي يزن و غيرها من  مكنون ألف ليلة و ليلة ، ناهيك عن كل ما هو شيق ومثير للاستغراب والغرابة. وحي القصور، مجاور لأسواق الصناع التقليديين من ” سماطين” و “نجارين” و صباغين” و “نساجين ” و صياغين”  ودكاكين تفوح منها روائح الاعشاب العطرية والتوابل و البخور، وكلها ذات ألوان بهية تلفت نظر العابر وتمتع عين الزائر لهذه الاسواق الأصيلة. كل هذه الطقوس رسخت في كياني، حب  هذه الاعمال و الانبهار بالصناع، إلى درجة أن هذا الحب وذاك الانبهار جعلا مني فتاة تميل للتعبير وإلى الابتكار عبر خلق أشياء من لاشيء، متأثرة بأمي التي كنت لا أفارقها وهي تخيط و تطرز ما كان يروقني، و أيضا ،جدتي وهي تنسج ، والنساء وهن ينجزن أعمالا يدوية فيها الزخرفة و التطريز و استعمال الالوان الزاهية…. عزيزة العابدي فتاة محظوظة لأنها عاشت وتعايشت مع الابداع من دون أن تحس، حتى أنها لم تفكر أبدا في أنها سوف تصير في يوم ما فنانة تشكيلية. لأنها تابعت دراستها و حياتها المهنية والخاصة من غير توقف عن الإبداع، سواء الكتابة في الصحف أول الاشغال اليدوية، وكانت ممتازة في  مادة التكوين النسوي في ثانوية للا مريم بمراكش. 

كل ما هو يدوي او ابداعي او تشكيلي يروقني، حتى أني صرت أجيد الخياطة والطرز والتشكيل، ومع الأيام، أصبحت أكثر بحثا، أبحث عن ذاتي عبر فني، وعن قدراتي بفضل ما تصنعه يداي . فشرعت في كتابة الشعر بما في ذلك الجزل . وبعدما قرأ بعض الفنانين كتاباتي، وجهني بعضهم للتشكيل. و قد افادني في ذلك ما أختزنه من مخزون قصصي، وجدت أنه كان شيئا جميلا أن أدونها عبر الريشة . هذا ،مع العلم أني لم أدرس الرسم وقوانينه، لأني كنت دائما أرسم وألون ،حتى أن القلم لا يفارقني ، فخلفت بتشكيلات ورسومات. و اليوم ،بحوزتي لوحات من الزمن القديم. ورغم ذلك لم أكن أدري أنى موهوبة في هذا المجال. فقد بدأت أتعلم لوحدي، و أبحث في تخليط الالوان بعدما وجدت نفسي عاشقة للألوان والتشكيلات.

الانتفاضة:  بعد ما راكمتينه من تجربة ، كيف تنظرين لعلاقتك بالقماش الأبيض وبالألوان الطبيعية القوية الساطعة،  كأليات  تسعفك على الاشتغال؟

ع. العابــدي : علاقتي بالقماش الابيض ، القماش الابيض هو مسرح ومجال يريحني ارتياده و الارتماء بين أحضانه. ألود به  للاشتغال عليه و لأعبر عن مكنونات دواخلي، لأفجر ما أختزنه من طاقات ابداعية، كلما انتهبت منها أحس بارتياح روحاني يجعلني  كما لو أني في حالة عشق وانبهار، بل أفقد الوعي و أعيش انقطاعا عن العالم الخارجي، بحيث أترك الريشة تعبر بحرية و بتلقائية عما بداخلي من حب وعشق للتراث المغربي وجمالية الشكل الهندسي المعماري، والألوان الزاهية والقصص العريقة والتي ترعرعت في أجوائها التي باتت مترسخة بذهني. أنقل ما يروج بمخيلتي، باحثة عن الأشياء الجميلة المفقودة من تقاليد وعادات، حتى أذكرها للناظر والإنسان الذي لم يتيح له الحظ معايشتها، أنقل كل ما اندثر من ثراث، وعناصر ثقافية تلقيتها شفويا، و عشناها شفويا، و كبرت معنا شفويا ..وذلك بالتركيز عن الألوان الساطعة، لأؤكد جمالية الأشياء و بهاء الالوان الساطعة. ذلك أني تعلمت أن أتعامل معها كما عشت ذلك ، سواء من خلال  أصفر الزعفران المئل نحو حمرة فريدة، والحناء بأخضرها الذي يتحول إلى بني أو زعفراني..و غيرهما من أعشاب عطرية أتداولها يوميا، أما اللون الابيض والأسود، فأحب الاشتغال بهما، من أجل جمالية وتنسيق لونين منعكسين ،إلى اقصى بعد، ومع ذلك يليقان بانسجامهما.

Aziza22

الانتفاضة: حسب نهج سيرتك، جئت متأخرة شيئا ما للمعارض (2012)  الفنية، غير أنك سرت فيها بعيدا، فما هي القيمة الفنية التي أضافتها إليك قاعات العرض سواء  بمعرض فردي أو جماعي؟

ع. العابــدي : عن مسيرتي الفنية التي بدأت متأخرة شيئا ما 2012. و هذا راجع لمشاغل الحياة و البحث عن تأمين القوت اليومي ظرف لا يتيح للإنسان، على وجه العموم ، ان ينتبه إلى موهبته و العمل على الاعتناء بها و صقلها،خاصة و أن الفن لا يتيح لمعظم الفنانات و الفنانين ،ضمان الاستقرار و العيش الكريم . لذا، لازلت أعتبر أن الفن بالنسبة لي، هو عشق ، وليس مورد عيش، هو رغبة في التعبير إثبات الذات لا البحث عن المال و الثروة المادية ،هو فقط  موهبة ومتعة غاية في الاسعاد و التعالي عن الماديات . لقد أحالت ظروفي العائلية في وقت ما دون أن أتمكن من  الظهور. لكن ما أن حان موعد المخاض،حتى أعلنت في الناس موهبتي ،و واجهت المجتمع بحبي للفن التشكيلي. فكان لابد ان اعطي قسطا من وقتي للعمل بالمرسم الذي هو ركن صغير بالبيت، تم أدعو الناس لمشاركتي فرحة ولادة لوحاتي. والحمد لله، لما أقمت  اول معرض لقي إقبالا وتشجيعا، مما حفزني اكثر على الاستمرار، وعلى المشاركة في معارض متتابعة، سواء على المستوى الوطني أو العالمي . و قد زادني هذا كله، انتعاشا للخيال ،و اكتسابا للتقنيات، حتى صرت اشعر بمسؤوليتي كسفيرة للفن الفطري المغربي. وهذا شيء يشرفني. فالنجاح الذي حصلت عليه لم يشعرني انني ضيعت كل هذه السنوات من دون عرض بل بالعكس، الفنان ليس وليد الآن لكن الفنان يولد بموهبته منذ الصغر. 

الانتفاضة: تصنفين نفسك ضمن ” الفن الفطري”ما هي غايتك من وراء ذلك؟ هل هو أختيار؟ أم إثارة؟ أم هو حكم قرره نقاد الفن التشكيلي بناء على بعدي الاسلوب والبصمة الفنيين ؟

ع. العابــدي : الفن الفطري هو الذي صنفني و منحني بطاقته التعريفية. ذلك  لأن تعاملي مع الريشة و الاوان الزاهية ولمستي كانت الحكم الوحيد في تصنيفي في خانة الفن الفطري. لمستي الفطرية غير متأثرة  بأي فنان فطري مغربي او خارجي أخر. الحمد لله لمستي، منطبقة بمعاش وقدرات عزيزة العابدي،  اذا هي تخصني وتخص شخصيتي بألوانها وحركات الشخصيات ورموز اللوحة وتشكيلها. لا اخاف التقليد لأني انا عاجزة كل العجز عن رسم اي لوحة انجزتها، فما بالك بإنسان آخر .

Aziza4

الانتفاضة: تستعير لوحاتك عموما و تشتعل بالألوان الساطعة و رغم ذلك نلاحظ أن نوعا من الاحساس بالفرح يتخلل يكمن في لوحاتك  المبنية على  تفاعلية اللونين الاسود و الابيض. متى تلجأ عزيزة العبادي لملاعبة الالوان المختلفة؟ وما هي الحالات التي تكتفي  فيها بالأبيض والأسود؟

ع. العابــدي : اختياراتي للألوان او اللون الابيض والأسود هو مزاج. أحب التنوع والغنى في الاشكال والالوان .. فلما أشتغل على اللوحة أستعمل عادة الالوان، وأحتفي معها  بجميع الاذواق، لكن الرسالة من وراء كل لوحة، تبقى وحيدة، واللمسة لمسة عزيزة العابدي ، والتاريخ الفني شاهد على ما أقول.

الانتفاضة: هل ثمة مشاريع في الانتظار؟

ع. العابــدي : سبق لي أن انجزت اكبر مشروع تشكيلي شخصي. وهو إنجاز اكبر لوحة في تاريخ الفن الفطري،  وأرجو من الله  ان يكتب لهذه اللوحة أن تعرض في ما يليق بها من مكانة و من مقام . إلى جانب ذلك،  هناك مشاريع داخل الوطن وخارج الوطن .

الانتفاضة: كلمة أخيرة

ع. العابــدي : آخر كلمة، أتمنى ان لا تكون الأخيرة معكم  في جريدة الانتفاضة ،فأنا  اتمنى من الله سلامة  عيني و قوة بصري ، حتى أستطيع أتمكن من الابداع بأقصى ما استطيع من  دقة و فنية و إبداعية ، والله الموفق للجميع.

                                        حوار : سلمى سعد              

 

اضف رد

إعلن لدينا