خبر عاجل
You are here: Home / مغاربية / المغرب / شكدالِي: الغشُّ في الامتحان امتدادٌ طبيعِي لثقافة تسودُ المجتمع

شكدالِي: الغشُّ في الامتحان امتدادٌ طبيعِي لثقافة تسودُ المجتمع

شكدالِي: الغشُّ في الامتحان امتدادٌ طبيعِي لثقافة تسودُ المجتمع

“لا يعقَلُ أن يعتمدَ ابنِي علَى نفسه، ويأبَى اللجوءَ إلى وسائط الاتصَال من أجل الغش، ويستطيعَ آخرونَ معهُ فِي الثانويَّة، كمَا فِي مدن أخْرَى أن يحصلُوا على نقط مرتفعَة، دون أن يكونُوا قد بذَلُوا جهوداً في التهييء للامتحان الوطنِي”، بنبرة غضبٍ وحنق، تبدِي أمُّ سيف الإسلام، استياءَها، ممَا حكاهُ لهَا ابنها عن الأجوَاء التِي مرُّ فيهَا الامتحان، بإحدَى الثَّانويَّات التأهيليَّة في مكنَاس.

بلاغات وعصابات..

لمْ يكنْ يومُ الثلاثاء، الذِي جرت به أولَى اختبارات الامتحان الوطنِي للحصول على شهَادة البكالوريَا كسائر الأيام، بحيث لم تتوقفْ البلاغات والأخبار عن ضبط مرشحين لاجتياز الامتحان، بسبب الغش، الذِي لم يعد يقتصر وفقَ ما أفادهُ وزير التربية الوطنيَّة، محمد الوفَا، على بعث الأب أو الأم أو أحد أقارب المرشح، برسالة قصيرة تتضمن تصحيح المادة، بل يتعدى ذلكَ إلى ما وصفها الوزير بالعصابات، بحيث أنهُ بمجرد مضيِّ حواليْ ربع ساعة على توزيع أوراق الأسئلَة، يبدأُ تداول الأجوبَة في موقع التواصل الاجتماعِي فيسبوك، فِي تحدِّ لآليَّات الرقابَة التقليديَّة التِي لم تعدْ تجدِي نفعاً، حسبَ ما يتبدَّى من عدد الحالات التِي ضبطُهَا.

بيدَ أنَّ المسألَة لا تتوقفُ حسب عددٍ من المراقبين، عندَ تطور آليَّات الغش، بقدر ما تسائلُ النظام التعلِيمي المغربِي، ونمطَ تكوينه للطالب، بصورة قد تلغِي إبداعيَّته في بعض الأحيان، وتحولُ الاختَبار إلى مجرد موعدٍ لاستظهَار المحفُوظ، سيمَا فيمَا يتعلقُ بمواد كاللغة العربيَّة والتاريخ والجغرافيَا والفلسفَة، التِي يفترضُ أن تكونَ مدخلًا لإعمالِ الحسِّ النقدِي، عوض تطبيق مبدأ “بضاعتُنَا ردت إلينَا”.

20/20 فِي مادَّة الفلسفَة

فِي السنَة الماضيَة، كانت صحيفَة “لاتريبون ريبيبليكان”، قد كتبت عن فتاة بلغاريَّة فِي فرنسَا، حصلت على 20/20، في مادَّة الفلسفَة، رغمَّ أنَّ نقط إليَا بروست، في المادة نفسها، كانت تتراوح في بحر الدراسيَّة، ما بينَ 8 وَ 13/20. النقطَة “المثاليَّة” أثارت الانتباه، سيمَا أنَّهُ من النادرِ أن يمنحَ تلميذٌ من التلاميذ النقطَة الكاملَة في الفلسفَة، بل إنَّ إليَا استغربتْ بدورهَا، عندَ إعلان النتائج، قائلةً إنهَا لم تكن تعتقد أنهَا ستحصلُ على المعدل بالأحرَى.

السؤَال الذِي كانَ مطروحاً هوَ “هل للشغل من فائدة؟”، حررت إليَا موضوعاً في بنية منسجمة، فِي أربعَة محاورٍ، انكبَّ أولهَا على ذكر منافعِ الشغل المتمثلة فِي إشباعِ الحاجيَّات النفسيَّة والماديَّة، حتَّى يؤمن الفرد حاجيَّات العيش الضروريَّة، وفِي المحورِ الثَّاني تحدثت إليَا عن أهميَّة الشغل في التكوين الأخلاقي والنفسي، بحيث أنَّ الإنسان يكتسب عبره الوضعيَّة التِي يستحقهَا، أمَّا فِي المحورِين الثالث والأخير، فقاربت سؤَالاً إشكاليًّا، عمَّا إذا كانَ من لا يعملُ غيرَ ذِي نفعٍ بالضرورَة؟

وممَا لا مراء فيه، أنَّ الوقوفَ عندَ حالةِ التلميذَة إليا بروست، يقودُ إلى التساؤل عن طبيعَة الأسئلَة في امتحانات البكالوريَا في المغرب، وعمَّا إذَا كانت قصديتها، تشكلُ حافزاً من حوافز الإقدام على الغش، بالنظرِ إلى تغييبهَا لعنصر الفرادة فِي المقاربَة والتحليل.

شكدالِي: الغشُّ في الامتحان امتدادٌ لثقافة غش تسودُ المجتمع

الأستاذ الباحث في علم النفس، مصطفَى شكدَالِي، يرَى أنَّ لقضيَّة الغش امتدادَات أخْرى في المجتمع تتخطَّى حدود المدرسَة، لأنَّه من غير الممكن أن تكونَ هناكَ مدرسَةٌ بدون غشٍّ فِي مجتمع يسودُ فيه الغش كثقافة.

وعليه فإنَّ الغشَّ، حسب شكدالِي، تسربَ إلى مجتمعنا عبرَ مؤسسات اجتماعيَّة أخرَى غير المدرسة، ومَا الحديث الدائر حول الغش هذه الأيَّام، معَ إجراء امتحانات البكالوريَا، سوى تلخيص لواقع الغش في المجتمع بصفة عامَّة، بعدمَا أضحت البكالوريَا، مقرونَة بالرهاب والتهديد والقلق، وسطَ أضواء الإعلام المسلطَة، ونقاش الشبكات الاجتماعيَّة المسهبَة.

فعندَ التحول إلى المؤسسَة الانتخابيَّة، على سبيل المثال، يقولُ شكدالِي “نجدُ أنَّ مفهومَيْ النجاح والفشلْ قد جاءَا من الحقل المدرسيِّ بادئ الأمر، قبل أن يقتحمَا المضمَار الانتخابِي، وكأنَّ الفاشل فِي الدراسة هوَ الناجح انتخابياً، على نحو أدَّى إلى تبخيس المؤسسَة التعليميَّة، إلى درجة أنَّ السعيَ إلى الحصول على دبلوم، بنزاهَة، أضحَى أمراً غير ذِي أهميَّة، ما دامت هناكَ طرقٌ أخرَى، يسلكُهَا المرءُ للترقِي وبلوغ الدرجات العُليَا في مجتمعه”.

في سياق متصل، يقولُ الباحث، إنَّ ما راج حول الغش دليلٌ قوي على وجود خلل في المجتمع، وأنَّ ذلك الخلل ينذرُ بمخاطر جمَّة، متسائلاً عن مآل أطر البلاد مستقبلاً، إنْ هوَ الأستاذُ أضحَى فيه مزوراً، والطبيبُ اعتمدَ على التزوير لبلوغ وظيفته، ففي ذلك كارثة، لأنَّ الدبلوم المزور لا معنى له، ويعني أن الغاش سيُمارس مهامهُ داخل المجتمع دون كفايات أو قدرات، وبالتالِي، فإنَّ المشكلَ خطيرٌ فِي العمق.

وإنْ كانَ المسؤولون قد انبروْا على عجل إلى شجبِ تفشي الغش في الامتحانات، فإنَّ من الحريِّ بنَا أن نتساءل، وفقَ الأكاديمي المغربي، حولَ عدم استحضار ميكانيزمات التلقين، التِي تعتمدُ دائماً على ما هو نقلِي، دونَ إعمال العقل، لأنَّ الميكانيزمات النقليَّة، هيَ التِي تؤدِّي إلى تفشي الغش، من باب “بضاعتُنَا ردَّتْ إلينَا”، كما أنَّ هناكَ مشكلاً على مستوَى المنهاج والتربيَة، بحيث أنَّ المشكل لا يمكن أن يختزل في البكالوريا فقط، وإنمَا يجبُ أن ننظر إلى كل مؤسسات التنشئَة، المرتبطَة بالمدرسَة.

غلى ذلك، تمثلُ البكالوريَا، حسب المتحدث ذاته، انتقالاً إلى مجتمعِ الراشدين، من أجل تحمل الفرد لمسؤولياته، وعليه، فإنَّ عبوراً مؤسساً على التزوير والغش لنْ يبنِي مجتمعاً قويماً ينهضُ على ثقافة الاستحقاق. والأدهَى من ذلك، أنَّ الغش لا ينتهِي بحصولِ التلميذ على شهادة البكالُوريَا، وإنما يلازمُ حتَّى طلبَةً في مستوَى متقدم من التحصيل الأكاديمي، حيث يتمُّ بذل مجهود في الغش، يفوق ذاك الذِي يفترضُ أن يبذل فِي التحضير للامتحان.

وعوضَ التركيز علَى الجانب الزجرِي والاعتقالات، وإصدار عدة بيانات في اليوم الواحد، كما لو أنَّ الأمرَ يتعلقُ بحربٍ قائمة، يقول شكدالِي، كانَ من الأجدر بالمسؤولين التوجه نحوَ معالجَة المشكل في العمق، بوضعِ منهاجٍ يضعُ حداً لبعض الممارسات التربويَّة، وتقديم حلولٌ تستلزمُ وقتاً طويلاً، لأنَّ انتفاء شرط الديمقراطيَّة لا يمكنَ أن يفسح الباب أمامَ تعليم في المستوَى المأمول، فيما لا يبدُو أنَّ الأمور تسيرُ على ما يرام، بعدما بلغ السيلُ الزُّبَا، يقول شكدالِي.

 

Share

About hassan jabri

Comments are closed.

Scroll To Top
close
Facebook IconYouTube IconTwitter Iconfacebook like buttontwitter follow button
الإنتفاضة

FREE
VIEW