أنت هنا: الرئيسية 2 تحقيقات وملفات 2 جزيرة قرقنة قد تكون المكان الوحيد في العالم الذي يحقّ فيه للأشخاص امتلاك قطعة من البحر بوثائق قانونية

جزيرة قرقنة قد تكون المكان الوحيد في العالم الذي يحقّ فيه للأشخاص امتلاك قطعة من البحر بوثائق قانونية

_48799_kerkanahg

جزيرة قرقنة الواقعة في الجنوب الشرقي لتونس، قد تكون المكان الوحيد في العالم الذي يحقّ فيه للأشخاص امتلاك قطعة من البحر بوثائق قانونية وتقسيمات حدودية واضحة، يباع من خلالها البحر ويشترى أو يؤجر في مزادات علنية تماما مثلما يحدث على البرّ.

يعرفها التونسيون بما أنجبته من قادة نقابيين بارزين، في مقدّمتهم فرحات حشاد، مؤسس الاتحاد العام التونسي للشغل، الذي اغتالته فرنسا قبل استقلال تونس، والحبيب عاشور، الذي قاد الاتحاد سنوات طويلة واصطدم مع الرئيس الأسبق الحبيب بورقيبة خلال إضراب عام دعا له في 26 يناير 1978.

هي جزيرة قرقنة البعيدة عن سواحل مدينة صفاقس 20 كيلومترا.. تمتد من الجنوب الغربي إلى الشمال الشرقي على مسافة 35 كيلومترا، ولا يتجاوز عرضها 5 كيلومترات.

ويعود امتلاك البحر بهذه الجزيرة إلى آلاف السنين بحسب أستاذ التاريخ بجامعة صفاقس، عبدالحميد الفهري، الذي أكّد أنّ هناك نصوصا تاريخية تعود إلى القرن الثاني ميلادي تتحدّث عن الصيد بالحواجز البحرية بعدد من الجزر التونسيّة، وخاصة جزيرة جربة وجزر الكنايس وجزيرة قرقنة والشابة واللوزة، وهو ما يشير إلى وجود التقسيمات والأملاك البحرية منذ تلك الفترة.

كما أن هناك إشارات كافية تعود إلى القرن الثاني عشر وإلى القرنين الخامس والسادس عشر تؤكد حصول هجوم لأهالي البرّ على جزيرة قرقنة، بهدف الاستيلاء على الممتلكات البحرية، وهو ما أدّى آنذاك إلى رفع أهالي الجزيرة شكاوى إلى حاكم البلاد، الباي مراد الثاني، ليأمر بتحويل ما تعارف عليه أهالي قرقنة بالملكية البحرية إلى ملكية مثبتة ومعترف بها لدى السلطات خلال تلك الحقبة التاريخية. وأصبحت العائلات القرقنيّة منذ ذلك التاريخ تقوم بتسجيل ممتلكاتها البحرية تماما مثلما تسجل ممتلكاتها من الأراضي في البرّ، وتسمى “وثيقة الملكية الشرفية” باعتبارها تمثل شرفا تفخر به العائلة المالكة.

أمّا بخصوص كيفية التعرّف على الحدود بين مختلف الممتلكات البحرية التي يبلغ عددها حاليا حوالي 1250 قطعة، فقد أكد الفهري أن التعرّف عليها يتمّ بواسطة “الترش”، وهي عبارة عن ربى صغيرة في البحر تغطيها الأعشاب البحرية. كما يمثل “الواد” (مجرى بحري) نقطة اعتماد لتحديد موقع الأملاك البحرية، وهذا بالإضافة إلى الخبرة التي اكتسبها البحّارة هناك بخصوص المراجع المكانية، بما يمكنهم من التعرّف على مختلف الحدود بكل يسر.

وتستغل الملكيات البحرية لنصب ما اصطلح على تسميته البحارة هناك “الشرافي”، وهي طريقة صيد تقليدية مهدّدة بالتلاشي، وتتمثل في وضع مسالك ومساحات يحدّها من الجانبين سياج من جريد النخل المغروس في البحر، بطرق مدروسة يشرف عليها خبراء في هذا الميدان، لهم معرفة دقيقة باتجاه الرياح والأمواج، ووجهة الأسماك عند المد والجزر، حتى يسهل الإيقاع بها، حيث يسبح السمك بجانبي الجريد حتى يدخل حلقة كبيرة تسمّى، لدى البحارة، “الدار” وتبلغ مساحتها 200 متر مربع، ومن ثم يجد السمك نفسه مجبرا على دخول “البيوت”، ومنها إلى “الدراين”.

ويتطلب بناء الشرفية الواحدة ما بين 6 إلى 8 آلاف وحدة من جريد النخل، وتبلغ كلفة صيانتها السنوية حوالي 2500 دولار. ويعتبر ارتفاع تكلفة بناء الشرفية وصيانتها، بالإضافة إلى تفاقم ظاهرة الصيد العشوائي الذي تمارسه بواخر كبيرة الحجم، مع عزوف الشباب عن ممارسة هذا النشاط، من العوامل التي أدت إلى تقلص عدد المصائد بـ”الشرافي” وتدنّي مردوديتها الاقتصادية، بحسب الفهري.

ونتيجة لتفاقم مشاكل الصيد بالشرافي، تمّ التخلّي نوعا ما عن بعض الممتلكات البحرية في نهاية القرن العشرين، لتضع بلدية الجزيرة يدها عليها بالتعاون مع السلطات ذات الاختصاص، وأصبحت تقوم بتأجير الشرافي في مزاد علني، وهو ما يسمّى لدى الأهالي بـ”الرمو”، ويمكن أن يبلغ سعر الشرفية الواحدة 10 آلاف دولار، وهو الدخل الوحيد تقريبا والكبير لبلدية قرقنة.

وأبرز أستاذ التاريخ أنّ “كل معاهد القانون التي تدرّس قانون ملكية البحر تعتمد جزيرة قرقنة نموذجا، لذلك لا يمكن أن نشطب هذا التراث العظيم والكبير”، قائلا “ناضلنا منذ وقت طويل ولا نزال نناضل من أجل الوقوف ضد إزالة هذا الإرث الفريد من نوعه.

الجدير بالذكر أنّ عبدالحميد الفهري كان قد اهتمّ بهذه الظاهرة في كتاب بعنوان “الإنسان والبحر”، وقدّم فيه حلولا تعوّض إزالة هذه الملكيات البحريّة، من بينها تأجير الدولة لتلك الممتلكات في حال عدم وجود مستغلين لها، فضلا عن ضرورة تدخّل السلطات المعنية للحدّ من إضافة شراف جديدة للحفاظ على البحر وثرواته، حسب ما يذهب إليه.

ويخشى الخبراء أن يكون تراجع الملكيات البحرية، عبر انتزاع بلدية الجزيرة لبعض تلك الممتلكات، فضلا عن تضاؤل مردود الصيد البحري بالوسائل التقليدية، تمهيدا سلبيا ينبئ بفقدان قرقنة لمختلف معالمها التراثية، مثل صيد الأخطبوط بالجرار وغيره.

عدد من الخبراء والمسؤولين في مجال الصيد البحري اقترح بعض الحلول للمحافظة على خاصيّة “امتلاك البحر” في جزيرة قرقنة على غرار إمكانية تطبيق تجربة “بيسكا توريزمو” التي لاقت نجاحا كبيرا في كلّ من إيطاليا وتركيا. وتعتمد هذه الطريقة على إشراك البحّارة للسياح في عملية الصيد بالشرافي وهو ما سيؤمّن لهم دخلا إضافيا، كما ستساهم هذه الطريقة في إقبال الشباب على الصيد بالشرافي وهو ما سيؤمّن تواصلها عبر الأجيال في جزيرة قرقنة.

  • متابعة

اضف رد

إعلن لدينا