You are here: Home 2 تحقيقات وملفات 2 الوزير الأول الأسبق المرحوم عبدالله ابراهيم رجل استثنائي

الوزير الأول الأسبق المرحوم عبدالله ابراهيم رجل استثنائي

الانتفاضة

كان الوزير الأول الأسبق المرحوم عبدالله ابراهيم يعيش ظروفا صعبة لمدة 40 سنة منذ إعفائه من رئاسة الحكومة سنة 1959 فلما تولى الاستاذ عبد الرحمان اليوسفي الحكومة تدخل لدى الراحل الحسن الثاني لصرف تقاعد سي عبدالله ابراهيم فانتهى الامر بقبول الملك الذي صدر شيك قدره 3 مليار سنتيم، حيث اتصل اليوسفي بعبدالله ابراهيم هذا الأخير رفض الشيك كما رفض تقاعده الاستثنائي. فالأستاذ ابراهيم يرى في نظره ان الوزارة ما هي الا مهمة تنتهي باعفاء صاحبها لا وظيفة يستحق عليها تقاعد.

يعتبر الأستاذ عبد الله ابراهيم أحد رجالات المغرب القلائل الذين أبانوا عن ارتباط قوي بخدمة الوطن، وقدموا الغالي والنفيس في سبيل تقدمه وازدهاره، بداية بالعمل النضالي وانتهاء بالمشاركة في تسيير الشأن العام .
ولد عبد الله إبراهيم  في 24 غشت سنة 1928، بمنطقة  الحوز، وهو آخر رئيس حكومة عرفه المغرب المستقل بعد امبارك البكاي الهبيل وأحمد بلافريج، ليأتي بعدهم الوزراء الأولون.
تربى في كنف الحركة الوطنية والكفاح ضد الاحتلال الفرنسي، وعاش في قلب المقاومة لينال حظه من الاعتقال كباقي رواد المقاومة الوطنية الذين كانوا يرون أن نهاية الاحتلال ليست هدفا بل خطوة أولى على الطريق لبناء المستقبل.
جلس على مقاعد كلية ابن يوسف التي حصل فيها على العالمية، وقربته من الأصول الدينية للمغرب والثقافة الإسلامية الأصيلة، وبعد عامين من انقشاع سحب الحرب العالمية الثانية وسنتين من توقيع عريضة المطالبة بالاستقلال عام 1944 التي كان هو أحد الموقعين عليها، سيتوجه إلى فرنسا لدراسة الفلسفة بجامعة السوربون، هناك سيقترب أكثر من فكر التنوير والثورة الفرنسية التي شكلت جزءا من تكوينه الفكري والسياسي والثقافي.
بعد رجوعه من باريس تولى عبد الله إبراهيم مسؤولية إدارة جريدة العلم التابعة لحزب الاستقلال والذي كان أحد قيادييه، وساهم في تأسيس الحركة النقابية في المغرب، ثم تولى في الحكومة الأولى التي ترأسها مبارك البكاي ما بين يوليوز 1955 وأكتوبر 1956 حقيبة وزارة الأنباء والسياحة، والتي كانت في ذلك الوقت من الوزارات الاستراتيجية في مغرب خارج لتوه من تحت المظلة الفرنسية، ويتطلع لبناء حاضره وضمان مستقبله وتشكيل صورته أمام العالم وفي القارة الإفريقية، وفي الحكومة الائتلافية التالية التي استمرت بين أكتوبر 1956 وماي 1958 تولى حقيبة وزارة العمل والشؤون الاجتماعية.
عام 1959 وإثر الانفصال بين حزب الاستقلال وأصدقاء عبد الله إبراهيم الذين انصرفوا إلى بناء خيمة خاصة بهم هي الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، سيكلف الملك الراحل محمد الخامس عبد الله إبراهيم بتشكيل ما سوف يعرف بأول حكومة سياسية في المغرب، يقودها وزير أول من المعارضة اليسارية ،ويتولى يساريون من الاتحاد غالبية حقائبها الوزارية. كانت تلك أول حكومة أرادت أن تضع المغرب على السكة بعد ثلاثة أعوام على خروج الإقامة العامة الفرنسية.
طالب عبد الله ابراهيم بتحرير الاقتصاد من قبضة الفرنسيين الذين بقوا بعد الاستقلال ليتأقلموا مع الوضع الجديد عبر الحفاظ على مواقعهم السابقة، ورفض استمرار وجود الفرنسيين في الشرطة المغربية الحديثة التكوين، وأصدر قرارا بترحيلهم، ونادى بالاستجابة لمطالب انتفاضة الريف، لكن الطريق لم تكن ممهدة أمام الرجل، فقد وضعت أمامه العراقيل التي كانت تريد اختبار قوته وقوة فريقه، ووجد نفسه في النهاية يطبق برنامجا لم يضعه حزبه. وبعد ذلك بقليل تم إعفاء حكومة عبد الله إبراهيم من مهامها  لأسباب سياسية .
لم تعش تلك الحكومة أكثر من 20 شهرا، ولم يستمر عبد الله إبراهيم طويلا في الممارسة السياسية التنفيذية وإن بقي في عمق العمل السياسي، فقد كان مثل بطل من الأساطير القديمة، يقضي مهمته في الوقت المناسب وينتهي دوره بأدائها، فخرج مبكرا في بداية الستينات، عندما بدأ يرى أن الرياح تتجه وجهة غير التي كان يأملها في فترة سريان نشوة الاستقلال والبناء الوطني.

دخل السياسة وخرج منها من غير تلوث، كما تلوث كثيرون غيره، ولم يستطع الجيل الحالي في المغرب أن يعرف عنه سوى صورة واحدة لم تتغير، صورة الرجل النظيف الذي لم يبدل في مواقفه ولم يعش التحولات التي تمليها المصالح المتغيرة، فالرجل عاش بمبادئه التي كونها في بداية مشواره السياسي والثقافي، ولم يرض بأن يتاجر بها في سوق المواقف والمزايدات، ولأجل ذلك يحق لكثيرين أن يعتقدوا بأن الرجل لم يمر عبر دهاليز السياسة المغربية يوما، لأنه من غير الممكن لشخص مر خلالها أن ينتهي بهذه النهاية، يقف مع المسافرين في محطة القطار بالرباط منتظرا مع زوجته ويسير في الشارع على قدميه بدون بهرجة ولا يملك سيارة يتنقل بها، ويزهد في ورق الجرائد مبتعدا عن الأضواء، ولا يشتكي من التهميش الذي طاله كما طال ذاكرته السياسية الخصبة.
بقي عبد الله ابراهيم داخل الاتحاد الوطني محافظا على صورته الأولى وواقفا فوق أرضه التي اختارها منذ البداية، ودخل الرجل بعد ذلك بياته الشتوي الذي طال كثيرا إلى أن لبى نداء ربه يوم الأحد 11 شتنبر 2005 عن عمر يناهز 87 سنة، متفرغا للكتابة والتأمل، و للألم أيضا بسبب الغبن الذي تعرض له في حياته وسياج النسيان الذي ضرب حوله، إلى أن اكتشف المغاربة يوم  وفاته أن هناك رجلا من عيار خاص اسمه عبد الله  إبراهيم، وكأنه يجب أن يموت المرء ليتذكر الآخرون أنه…حي.

فما احوجنا اليوم باشخاص أمثال سي عبدالله ابراهيم، دافعهم الغيرة على مصالح الوطن والمواطنين، وهمهم توحيد المغاربة بدل تفريقهم وإلى رجال دولة صادقين يتحملون المسؤولية بكل التزام ونكران ذات.


Leave a Reply

إعلن لدينا
close
Facebook IconYouTube Icon
الإنتفاضة

FREE
VIEW