You are here: Home 2 كتاب الآراء 2 المملكة الالكترونية الحزينة

المملكة الالكترونية الحزينة

الانتفاضة/نور الدين مفتاح

بدل ان تكون الصحافة جزءا من الحل في هذا الجيل الجديد من التحديات المطروحة على المملكة، كما كانت في سنوات العز، اصبح جزء من الصحافة الالكترونية جزءا من المشكلة، بدخوله للميدان بدون مؤهلات و احترافه لابتزاز و المس باعراض الناس و اقتحام حيواتهم الخاصة و النصب و الاحتيال و الاسترزاق، مما يجعلنا نضع ايدينا على قلوبنا خوفا على مستقبل الصحافة ببلادنا  .

المملكة تغلي، و هدا حال الدنيا، فالتحديات تظل مطروحة دائما و إن تغيرت الألوان و المسمات والسياقات، و قد عشت المملكة الشريفة سنوات اكثر سوءا و عرفت رعب المواجهات المسلحة و أنين المعازل و الأقبية السرية و الانتفاضات الشعبية و المؤامرات، و لمنها اجتازت امتحانات كادت أن تدخلنا إلى المجهول، إلا أن سنة الحياة تقتضي أن تبقى المعركة مفتوحة، و لكن الفرق في ما لا يمكن تغييره هو في الجواب على المعركة ضد من؟ هل هي معركة ضد الفقر و الفاقة و الهشاشة و الاعداء الخارجيين و الانتهازيين و المبتزين و الوصوليين، أم هي معركة من أجل السلطوية و الهاجس الضبطي و حماية الامتياوات غير المشروعة و الدفاع عن القرارات العشوائية؟

بكل صراحة، نحن لا نعيش لا في ما كنا فيه ومن الرصاص و الرعب و لا في ما كان يحلم به الجيل الذي ادى ثمن الدفاع عن الحرية و الديمقراطية استشهادا او سجونا و مناف و آلاما. نحن نخوض الحرب على الواجهة الإجتماعية و في نفس الوقت نخسر معركة الأي العام. نعترف بالخطأ أو الفشل و نشحد الإصلاحات الجديدة في التربية و التعليم و التنمية البشرية  و التكوين المهني و الفلاحة و الصحة و في ذات الوقت نكسر كل التعبئة الضرورية لإنجاح هذا الإصلاح بقرارات خرقاء تبدو للغافلين من بعض أصحاب القرار

شكلية و ثانوية، و لكنها تكون في حقيقتها شرارة توقظ الشياطين النائمة في الصدور، و تقلب مواجع الحكرة و الاستسهال، و هذا ما جرى بالضبط مع تغيير التوقيت المغربي بصفة دائمة، مما فجر هذا الغضب الشعبي الذي تعتبر المظاهرات التلاميذية آخر تجلياته المؤلمة.

و اذا كنا في الاسبوع المنصرم قد تحدثنا غن التواصل الرسمي للملكة الذي يعاني من تصلب شرايين مزمن، يزيد طين مشاكل البلاد بلة وطبل شقطاتها رنة، فإننا سنعرج هذا الأسبوع على المال الذي اخذه الإعلام الخاص في بلادنا، بعدما كانت الصحافة منذ فجر الاستقلال واجهة أساسية من واجهات الدفاع عن الحرية و الديموقراطية بشراسة.

لقد ادت الثورة التكنولوجية الهائلة إلى دمقرطة غير مسبوقة لوسائل الاتصال بين الناس، و إلى جانب منصات التواصل الإجتماعي التي أصبحت سلطة حقيقية بإيجابياتها الكثيرة و أعراضها الجانبية الخطيرة كأي سلطة بدون ضوابط، فقد جرى تحول حاسم في الممارسة الصحافية في المغرب على غرار ما وقع في العالم، و هو ما يسمى بالتحول الرقمي. و عمر الصحافة الإلكترونية اليوم في بلادنا هو عقد و نيف من الزمان، و قد أنجبت صحفا و صحافيين يحسب لهم قيامهم بالمساهمة الفعالة في تلبية حق الجمهور في إعلام حر و جدي و مسؤول، صحافة تعمل لحد الآن الى جانب الاعلام التقليدي على رفع التحديات المطروحة على المملكة وفق دورها كفاعلة في السياسة و ليس كفاعل سياسي، و هي تراقب الذين يمارسون السلطة وتواكب ما يعتمل داخل المجتمع و تفضح حين يكون هناك ما يفضح و له علاقة بمصلحة عامة، وتخبر و تنتقد و تحرك الأفكار و النقاش العمومي، و عندما تكون المملكة تغلي كما أسلفنا في بداية هذه الورقة، فإن بخار هذا

الغليان ستراه  منعكسا على الشاشات و العدسات، و ترى الكلمات حارقة صدقا و الشهادات ساخنة تأثيرا و الدور النبيل في المساهمة في تنشيط الممارسة الديموقراطية حاضرا و قائما.

و لكن، و ما أقسى هذه ال “لكن” ! لم يكن هذا التحول الرقمي في المجال الصحفي في بلادنا كله ناجحا، بل إن سهولة الولوج إلى تأسيس صحيفة إلكترونية جعلت الفوضى تعم القطاع، ووصلنا إلى غفلة من الجميع إلى الحد الذي أصبح معه عندنا 4500 موقع إلكتروني ! في الوقت الذي لا يتجاوز عدد بطائق الصحافة لكل وسائل الإعلام مجتمعة في المغرب 2400 بطاقة !!

و عندما صدرت مدونة الصحافة بما لها  و ما عليها، فرضت شروطا على الولوج لإدارة نشر جريدة، و بغض النظر عن الحيف الموجود في هذا القانون، و خصوصا عدم اعترافه بالأقدمية، فإن مبدأ التقنيين كان ضروريا، و لكن جزءا من المواقع المتحللة من أي وازع قانوني أو مهني أو أخلاقي دخل في حملة هوجاء استعملت فيها كل الأساليب المنحطة، بما فيها التهجم على الجزء المنظم من المهنة و ممثليها و التمرد على محاولات التنظيم، و التحايل حتى على القانون، بحيث ابتدع في المغرب الحبيب مفهوم “مدير نشر للكراء” ، بحيث إن من لم يستطع توفير شرط بطاقة الصحافة و الشهادة الجامعية يلجأ لإستئجار خدمات من يتوفر على هذه الشروط، و بما ان القانون لا يلزم مدير نشر بعدد معين من الصحف التي يمكن أن يكون على رأسها ، فقد وصلنا إلى حدود أن شخصا واحدا أصبح مديرا “مكترى”  للنشر لعشرين صحيفة إلكترونية من أجل حصولها على الملائمة ! و انطلقت من هنا سلسلة مأساوية جعلت الثورة الرقمية الميمونة في المجال الصحافي تجتر جزءا مسرطنا يزيد المشاكل الموضوعية.  

للصحافة الرقمية مع الموارد تفاقما بمشاكل أخلاقية و تنظيمية تزعزع ثقة الرأي العام في صحافته بشكل ملموس.

و بدل أن تكون الصحافة جزءا من الحل في هذا الجيل الجديد من التحديات المطروحة على المملكة، كما كانت في سنوات العز ، أصبح جزء من الصحافة الإلكترونية جزءا من المشكلة ، بدخوله للميدان بدون مؤهلات و احترافه للإبتزاز و المس بأعراض الناس و اقتحام حيواتهم الخاصة و النصب و الإحتيال و الاسترزاق، و غير هذا كثير مما يعرفه الصحافيون الحقيقيون ، وما أكثرهم ، مما يجعلنا نضع أيدينا على قلوبنا خوفا على مستقبل الصحافة ببلادنا .

حزين جدا هذا المال الذي كانت تستحق فيه “المملكة الإلكترونية ” الأحسن و الأقوم، و لكن يبقى الأمل الوحيد هو التكتل لمواجهة الرداءة بلا هوادة.

Leave a Reply

إعلن لدينا
close
Facebook IconYouTube Icon
الإنتفاضة

FREE
VIEW