خبر عاجل
You are here: Home / ثقافة و فن / العِقد الفريد لابن عبد ربه الأندلسي(ت 328هـ)
العِقد الفريد لابن عبد ربه الأندلسي(ت 328هـ)

العِقد الفريد لابن عبد ربه الأندلسي(ت 328هـ)

الإنتفاضة 

محمد السعيد مازغ 

دة :عتيقة السعدي 

عن دار آفاق للدراسات والنشر والاتصال، صدر للدكتورة عتيقة السعدي أستاذة الأدب الأندلسي بكلية اللغة العربية جامعة القاضي عياض بمراكش كتابا قيما ،لا يستغنى عنه دارس، ولا يمل من قراءته طالب علم. ولا غنى الباحث المعني بذخائر التراث العربي، وهو جدير بأن يفتح آفاقا جديدة للتفكير و المقارنة والاستقصاء. 

ويعد هذا الكتاب طليعة سلسلة مصادر أدب الغرب الإسلامي، في انتظار إصدار جزأين آتيين من طرف الدكتورة المقتدرة والمتمكنة من الأدب الأندلسي والعربي بصفة عامة، يتناولان على الترتيب الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة، لابن بسام الشنتريني  ( ت 542 ه )، و”نفح الطيب” للمقري( ت1041 ه) 

 ولتقريب القارئ من هذا الكتاب الذي اعتبرته الدكتورة عتيقة السعدي قطرة من غدير الأندلس، نحيله على المقدمة و الخاتمة 

مقدمة:

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله محيي الحاضر بتراث الماضي، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد بن عبد الله صلوات ربي وسلامه عليه تسليما كثيرا، وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين، وبعد،

فإن اهتمامنا بالمصادر العربية في عمومه قديم؛ إذ ما تزال الذاكرة تختزن شريطا من المنبهات التي ولدت الإحساس بضرورة الاطلاع على المصادر منذ الدراسات الجامعية العليا، حيث تمت دراسة “الروض المريع في صناعة البديع” للعالم الرياضي والمفكر والأديب ابن البناء العددي المراكشي(ت721هـ)، و”منهاج البلغاء وسراج الأدباء” للشاعر والأديب حازم القرطاجني (ت684هـ)، و”المنزع البديع في تجنيس أساليب البديع” للناقد والبلاغي أبي محمد القاسم السجلماسي، الذي عاش في المغرب في أواخر القرن الهجري السابع ومفتتح الثامن.

وشاء الله أن تُوكل إلينا مهمـة تدريـس مادتي “المكتبة المغربية الأندلسية”، ثم “الأدب الأندلسي”، فانقدح زند ما كان محفوظا في الذهن، وأصبحت فكرة البحث في مصادر أدب الغرب الإسلامي تراودنا، لكننا كنا بين حافز الإيمان بنفع هذه المصادر، ومانع خطر الموضوع الذي نرنو إلى علاجه؛ لأنه على جانب من الاتساع والعمق؛ بحيث يتناول بعضا من تراث أمة عظيمة، تبلورت عظمتها في عقيدتها وتراثها لغة وأدبا وفكرا. ولكن سرعان ما غَلب الإيمانُ على الرأي، فألحت فكرة الكتاب على الخاطر، حتى إننا لم نستطع منها فرارا. 

 

ولكن أنى لمحاولة مبتدئة أن تدرس مصادر أدب الغرب الإسلامي كلها، علما أن البحث فيها جهد يتطلب سنين عددا؟ وكيف يتم اختزال ما كان انشغالا معرفيا وهاجسا منهجيا منذ بداية دراستنا للمصادر؟ 

ولما كانت العناية بالأندلس التي أنجبت كبار العلماء، الذين أغنوا التراث العربي بنفائس الدرر، وصبوة القلب والعقل شديدة إليها، استيقنت النفس ضرورة البدء منها، وتَشَوَّف القلب إلى المحاولة، على الرغم من طول الأمد وبُعْد الشُّقَّة.

فقد عاش المسلمون في الأندلس ثمانية قرون (92هـ-897هـ)، وتعد هذه المدة الزمنية من أخصب الحقب في تاريخ الإسلام، وأحفلها بصنوف العلوم والفنون والآداب، شادوا خلالها حضارة رائعة، وحفظوا تراثهم الضخم فيما خلفوه من آثار عظيمة. وسنعنى في هذا الكتاب بجزء من التراث الأدبي الذي أثرى الخزانة الأندلسية، اعتزازا بذلك التراث المجيد، وإحياء لذكرى الفردوس المفقود.

وألف الأندلسيون في الأدب مؤلفات منها: “العقد الفريد” لابن عبد ربه الأندلسي (ت328هـ)، و”مطمح الأنفس ومسرح التأنس في ملح أهل الأندلس”، و”قلائد العقيان في محاسن الأعيان” وكلاهما لابن خاقـان (ت529هـ)، و”الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة” لابن بسام الشنتريني (ت542هـ)، و”زاد المسـافر وغُرة محيا الأدب السافر” لأبي بحر صفوان (ت598هـ)، و”المطرب من أشعار أهل المغرب” لابن دحية (ت633هـ)، و”نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب” للمقَّري (ت1041هـ)، والقائمة تطول. 

ولفت انتباهَنا كتابٌ من نتاج عصر الدولة الأموية في الأندلس(من 138هـ إلى 422هـ)، وهو “العقـد الفريـد”، السِّفر النفيس الذي يعد من أمهات الكتب الأندلسية، وموسوعة  في تاريخ الأدب الأندلسي. وقد كان صاحبه -ابن عبد ربه الأندلسي، أحد أكابر العلماء والكُتَّاب الأندلسيين-صلة بين فترة الإمارة الأموية (من 138هـ إلى 316هـ) وفترة الخلافة الأموية (من 316هـ إلى 422هـ)، بل إنه عاش ردحا من الزمن في فترة ازدهار الخلافة الأموية (316هـ-366هـ). 

وإذ نقدم أحد مصادر الغرب الإسلامي في نطاق الأدب، فإنه يجمل بنا أن نعرض لمنهج هذا الكتاب. لقد حاولنا أن نقدم منهجا بعيدا عن التداخل بريئا من التعقيد، وهو يأتلف ائتلافا حسنا في خطة منظمة؛ فجعلنا هذه الدراسة في فصلين، وقفنا وقفة متأنية في كل منهما، وخاتمة وثبت مصادر، وتضمن الفصلان مباحث وفقرات فرعية تناولت تفاصيل البحث.

في الفصل الأول المعنون بـ : “سيرة ابن عبد ربه” -يتألف من ثمانية مباحث-  درسنا شخصية مصنِّف الكتاب، فقدّمنا تعريفا بأبي عمر؛ من حيث الاسم والكنية واللقب، ثم بحثنا في مولده، وتتبعنا نشأته، فتحدثنا عن الجو الذي تنفس فيه، ووصفنا -قرطبة ذلك العصر- وصفا موجزا، وذكرنا ما تيسر من ضروب الحياة فيها، وما كان فيها من نهضة علمية واسعة، وتتبعنا مراحل حياته، وبحثنا في بعض نزعاته وميوله، وأثبتنا وفاته، ولخصنا صِلاته الشخصية بأمراء عصره وأعيانه، ثم حاولنا أن نرسم صورة عن صفاته وخُلُقه، وكشفنا عقيدته، وشفعنا دراستنا بالحديث عن شيوخه وتلامذته، وعن ثقافته الموسوعية المتنوعة وعوامل تكوينها، وما خلفه من آثار، ثم ختمنا هذا الفصل بتوضيح وزنه العلمي وقدره الأدبي.

وفي الفصل الثاني الموسـوم بــ: “التعريف بكتاب العقد الفـريد” -يقع في عشرة مباحث- قدمنا دراسة تحليلية للكتاب، فبحثنا في عنوانه، وبيّنا سبب تسميته، وعرضنا لمادته العلمية، وطريقة تقسيمه، ودوافع تصنيفه، وحاولنا استشفاف منهج ابن عبد ربه الذي انتهجه في تأليفه، واستعرضنا ما وُجِّه إلى “العقد” من نقد أثار نقاشا بين العلماء، وعرَّجنا على دراسة للمصادر التي استند إليها المصنِّف في تدوينه أخبار الكِتاب أو تنظيمه فرائده، وأظهرنا أهمية الكتاب وقيمته العلمية، وما حفلت به دفـتاه من علم ثمين وكنز دفين؛ من حيث الأدب، والإمتاع النفسي، والثقافة الاجتماعية، والنقد، والتاريخ، والدين. وتتبعنا أثره في العلماء ممّن جاءوا بعده، ونهلوا من مورده، ثم عرضنا لمختصراته، وزمن تأليفه، وختمنا هذا الفصل بطبعات الكتاب وتحقيقاته وترجماته.

ويعد هذا الكتاب طليعة سلسلة مصادر أدب الغرب الإسلامي، قررنا أن نبدأ في إصدار هذا الجزء، آملين -إن وهبنا الله القدرة وفسحة الأجل- أن نضطلع بمتابعة الجهد في إصدار جزأين تاليين، يتناولان على الترتيب “الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة” لابن بسام الشنتريني، و”نفح الطيب” للمقَّري.

ونقدم هذا الكتاب للقارئ الكريم، المتشوِّف إلى ابن عبد ربه و”عقده الفريد”، وهو يعرِّفه من جهة، ويشوقه إلى المزيد من جهة أخرى؛ ومن ذاق عـرف، ومن عرف اغترف! وندعو الله أن يكون كتابا نافعا للباحث المعني بذخائر التراث العربي، وأن يفتح آفاقا جديدة للتفكير والمقارنة والاستقصاء.

وأخيـرا، نرجو أن يكون عملنا هذا خالصا لوجهه تعالى، وهو المستعان في كل آن.

خاتمـة: 

آن للقلم أن يضع قطوفا دانية، في نهاية رحلة علمية تراثية،  خلصت إلى مجموعة من النتائج، نوجز الرأي فيها فنقول:

-كان ابن عبد ربه -لجلال قدره، وفحولة شعره- موضع التكريم والتبجيل من الأمراء والخلفاء، ولقد مر بنا أنه شاعر بلاط الدولة الأموية، ومادح ملوكها، ينتهز كل مناسبة ليرسل الشعر الرسمي، وأشعاره تثبِت ذلك، والخليفة الناصر لدين الله –خاصة– كان شديد الإعجاب به، يجله ويقدمه على سائر شعراء البلاط. إضافة إلى ما كان بينه وبين القواد والوزراء من صداقة ومودة، مما جعل الشاعر يُفرد لهم المدائح في “عقده”.

-لم تكن ربة شعر ابن عبد ربه لتتقيد بالبلاط وحسب، بل كان شاعرا لغيره ولحياته الخاصة، يهبهما فنه وشعره، في أغراض الشعر المختلفة بعيدا عن البلاط والأمراء، وأشعاره التي حفظ “العقد” جزءا كبيرا منها تؤكد ذلك، وتدل على قوة شاعريته، وحسبنا دليلا على ذلك رأي المتنبي فيه، ووسمه بـ”مليح الأندلس”.

-محتوى “العقد” يدل على سَعة ثقافة ابن عبد ربه، وقدرته الفائقة في النقد، واتساع أفق تخصصه، ونباهة شأنه، وعلو كعبه، فقد كان عالما أندلسيا جليل القدر، وناثرا من كبار كُتاب فترة الخلافة الأموية في الأندلس، وفي صدارة شعرائها الخناذيذ، قوي الخيال، رصين الأسلوب، جيد العاطفة. 

-تبين بجلاء أن ابن عبد ربه أحد أوعية العلم وموسوعاته التي يشهد لها التاريخ بذلك، وأحد أعلام الفكر الأندلسي، أشعلوا جذوته، وأناروا فنون القول فيه، حاز العلم فأجاد وأفاد، فكان بذلك حقيقا بالمنزلة العِلية التي أحله إياها علماء العربية وأدباؤها.

وقد اتضح أنه شاعر مكثر، ومداح بارع، ذو نفس طويل، ومجدد مبتكر لكثير من الصور والمعاني، وقد أظهر “العقد” حياة العصر الذي عاش فيه صاحبه بمظاهره السياسية والفكرية والاجتماعية، وحياة ابن عبد ربه بما فيها من اعتداد بنفسه، وفخر بها، وحب للّهو وسماع الغناء، ومن زهد وندم على ما فات، وتقرب إلى الله عـز وجل، وحكمة تجري على لسانه ذلولا.

-ابن عبد ربه ناثر مجيد؛ فقد عُني بتصدير كتب “العقد” بمقدمات نثرية  –في أغلبها-  أو هي فرش لجواهره، وكل مقدمة لها آصرة مع ما قبلها وعُلقة بما بعدها، ونشير  إلى أن هذه المقدمات ذات أهمية بالغة، تستحق أن تفرد لها دراسات مستقلة.

إن هذه التنويرات الإيضاحية التي يودعها ابن عبد ربه في فرش كتبه، لتكشف عن جمالية الأسلوب الأدبي للمصنف، ولها قيمة أدبية في التأليف الأدبي في مجال النثر الفني، وتعكس صورة النثر الأدبي في الأندلس خلال القرنين الهجريين الثالث والرابع.

-اتسمت المدونة التراثية التي اتخذها هذا الكتاب محورا له بالتأنق الرفيع في عتبة العنوان “العقد الفريد”، وبالنفاسة في الكتب التي ضمتها دفتاه، وتجلت ملاءمة العنوان لمحتوى الموسوعة، التي عكست المستوى الحضاري الذي بلغته الأندلس، من عناية بالوشي واهتمام بالرونق. 

-يمثل “العقد” نسقا ثقافيا لعصر ابن عبد ربه؛ إذ أبرز للناظر فـيه -مفتخرا- أن لهذا الصقع من الغرب الإسلامي من المفكرين ما بـزوا به أقرانهم، فجاء موسوعة ضخمة اشتملت على “علم العرب”، جمعت أصنـاف المعـارف، وضمت الرفيع من الثقافـات،  ومن هنا كان الكتـاب أغنى تأريخا لحضارة المجتمع العربي، نشأة وتطورا خلال هذه الفترة التي تمتد حوالي أربعة قرون، مما جعل من هذا المصنَّف دائرة معارف شاملة وثمينة يفخر بها الفكر العربي، وتعتز بها الحضارة العربية الإسلامية في العصور الوسطى.

-إن “العقد” موسوعة ثقافية إخبارية أندلسية، لا تقل عن الأصول العربية التي سبقتها في مجال الأخبار والنوادر، ونقصد “البيان والتبيين” للجاحظ، و”عيون الأخبار” لابن قتيبة، و”الكامل في اللغة والأدب” للمبرد، بل هو يبز ابن قتيبة ويعلو عليه في التبويب ووفرة المعلومات، وقد كان يحس بهذا الامتياز في فنه ومنهجه. وحري بنا أن نشير إلى أن كتاب “العقد الفريد” يعد خطوة في طريق التأليف المنهجي عند العلماء في الأندلس، من حيث منهج التبويــب وحسن التصنيف وتسمية كتب “العقد”.

-يتبوأ هذا الكتاب -أيضا- الصدارة ضمن أمهات الكتب الأندلسية التي وصلتنا؛ إذ لا نعلم سِفرا أندلسيا بهذه الضخامة سبق “العقد” في البلاد الأندلسية، فهو من أوائل كتب الثقافة العامة في الأندلس، ومصدر من أهم مصادر التاريخ الأدبي لا غنى عنه للباحث في التراث العربي.

-“العقد الفريد” هو الكتاب الذي خلَّد اسم ابن عبد ربه، نال شهرة واسعة ومكانة رفيعة داخل الأندلس وخارجها؛ ذلك لما اتسم به من العمق والإفاضة والثراء وحسن التناول، فضلا عن التنوع في المواضيع، مما جعل منه واحدا من أنفس كتب العربية في زمانه وبعده وأمتعها، يثقف العقل، ويمتع الروح، ويوسع الأفق، وينمي في الإنسان ملكة عشق التراث العربي.

وإذا كان ابن عبد ربه قد توخى من هذا الكتاب إعلام الناظر إليه بتفوق أدباء الأندلس وروعة إنتاجهم، فقد آن الأوان أن نثير سؤالا استشرافيا يتبدى في ما يأتي: 

كيف صاغ العلماء الأندلسيون مفهوم “الأندلسية” في الموسوعات اللاحقة؟

وبعـــــد، 

فقد استهوانا التراث الأندلسي، وسُكِنَّا بالاشتغال بدراسته، ولكن يظل ما بُذل من جهد لمعانقته يسيرا، إذا ما قورن بما أفناه صاحب “العقد” من عمره في التأليف.

ونحن مؤمنون بأهمية البحث في الأصول؛ ففيها متعة أولا واستحضار واستشراف ثانيا، وتوسيع للآفاق الثقافية في نطاق المعرفة الإسلامية والثقافة العربية ثالثا. ويبقى الأمل يراودنا في النظر إلى العبقرية العربية، من خلال البحث في مصادر أخرى، وما “العقد الفريد” سوى قطرة من غـدير الأندلس.

والحمد لله الذي تتم بنعمته الصالحات، له الحمد في الأولى والآخرة، نعم المولى ونعم النصير.

تابعونا:
Share

About إبراهيم الإنتفاضة

Comments are closed.

Scroll To Top
close
Facebook IconYouTube IconTwitter Iconfacebook like buttontwitter follow button
التخطي إلى شريط الأدوات
الإنتفاضة

FREE
VIEW