أنت هنا: الرئيسية 2 تحقيقات وملفات 2 الخروج الأخير لأبي جعفر من مدينته بغداد

الخروج الأخير لأبي جعفر من مدينته بغداد

مـحـمـد الـقـنـور :

إستجمعت بغداد كل زينتها ونضارتها، لتودع عبد الله أبي جعفر المنصور أمير المؤمنين ، الخليفة العباسي الكهل القوي، وهو يهم على السفر في موكب ملكي بادخ إلى مكة، لحج بيت الله المعمور، فقد إصطف على طول الأزقة الفاصلة مابين قصر الخليفة والأسوار العالية التي تسيج مدينة السلام ، كل كتاب الدولة، والمقربين من الفقهاء والأطباء والرواة والمحدثين والأدباء والأصفياء من الشعراء والمغنينممن إصطحبوا المزامير والدفوف، وكبار الأعيان من أرباب الصنائع والتجار، وأمناء الحرف، وكبار مُلاكـ الأراضي، وقادة القوافل العملاقة التي تمخر عباب طريق الحرير الرابط مابين أبواب سور الصين العظيم ومرافئ الشام وبلاد الأناضول،حيث كانت تُشْتَمُّ في معاطفهم الجلدية وقبعاتهم من الوبر نسائم ثلوج السهوب الأسيوية، وقد طفقت نساء بغداد من بنات الأثرياء يرسلن الزغاريد وينثرن الورود على موكب الخليفة، في حين تزاحم الناس من العامة في طرقات أخرى من المدينة لرؤية هذا الخليفة العجوز الذي ملكـ الدنيا وبنى القباب الشاهقة ومد الجسور، وإستصلح الأراضي، ومأسسة الدواوين، كانت الهتافات بالنصر والدعاء والتبريك، تصعد من مختلف الحراقات تلك القوارب الكبيرة التي إصطفت على صفحة دجلة، وقد تعبأت بالعابرين مابين الشطين، في الوقت الذي إرتفعت أعمدة البخور نحو السماء من مبخرات فضية يرفعها الصبيان الصغار، لتحول ممرات موكب الخليفة إلى عبق معطر يأسر الأنوف، وكان ابنه محمد “المهدى” قد خرج ليشيعه فى رحلة حجه الباذخة، فقد سبق أن أوصاه قبل أيام وهو يدخل للسلام عليه ، بإعطاء الجند والناس حقهم وأرزاقهم ومرتباتهم، وأن يحسن إلى الناس، ويحفظ الثغور، ويسدد دينًا كان عليه مقداره ثلاثمائة ألف درهم.

وكان الخليفة أبو جعفر المنصور قد تركـ لولده وولى عهده محمد المهدي، وصية لدى أمين سر ديوان بلاطه يقول في بعضها :

“يا إبني ،يا محمد ،فــإني ولدت فى ذى الحجة، ووليت الخلافة فى ذى الحجة، وقد هجس فى نفسى أنى أموت فى ذى الحجة من هذه السنة، لدى أقبلتُ على الحج ، فاتق الله فيما أعهد إليك من أمور المسلمين بعدى، يجعل لك فى كربك وحزنك فرجًا ومخرجًا، ويرزقك السلامة وحسن العاقبة من حيث لا تحتسب، يا بنى: احفظ محمدًا فى أمته، يحفظك الله، ويحفظ عليك أمورك، وإياك والدم الحرام، فإني تركت خزانة بيت مال المسلمين مليئةً، فيها ما يكفى عطاء الجند ونفقات الناس لعشر سنوات.

هــذا، فقد كان أبو جعفر حريصا على المال، وقد كناه معاصروه من المؤرخين والأدباء والظرفاء بأبي الدوانيق، ومع كل ذلكــ يعتبر المنصور المؤسس الحقيقى لدولة بنى العباس وإن تولَّى الخلافة بعد أخيه الأصغر منه سنا، أبى العباس الملقب بالسفاح ، سنة 136هـ الموافق لسنة 754م ، ورغم كون أبي جعفر المنصور الخليفة العباسى الثانى من سلسلة خلفاء بني العباس ، فإنه كان المؤسس الأول لدولة بني العباس ، وقد بدل هذا الخليفة أبو جعفر جهودًا عظيمة لتدعيم الأسرة العباسية فى الحكم، وإعلاء شأن الخلافة وهيبة الملكـ ، وإضفاء روح المهابة والإجلال على الدولة فى الداخل والخارج.

فقد بُويع لأبي جعفر عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس بالخلافة بعد عودته من الحج وعلى إثر وفاة أخيه أبى العباس، فبايعه أهل العراق وخراسان وسائر البلاد سوى الشام التى كان عمه “عبد الله بن على” أميرًا عليها من قِبل أخيه السفاح ، فقد رفض الأمير عبد الله مبايعته اعتقادًا منه بأنه أولى بالخلافة، فما كان من أبى جعفر إلا أن أرسل إليه القائد “أبا مسلم الخراسانى” عساهُ أن يضرب الحديد بالحديد، ومعه جماعة من أمراء بنى العباس فهزموه هزيمة منكرة، فخضعت بلاد الشام لأبى جعفر، ثم بدأ الجو يصفو لأبى جعفر بعد مقتل عمه “عبد الله” إلا من بعض المتاعب التى كان يُسببها له أبو مسلم الخراسانى؛ بسبب مكانته القوية فى نفوس أتباعه، واستخفافه بالخليفة المنصور، ورفضه المستمر للخضوع له؛ وصار أبو مسلم يشتد يومًا بعد يوم، وصر ساعده يقوى ويتصاعد، وصارت كلمته تعلو وترتقي،  وقد بدأ المنصور يشتم منه رائحة الخيانة ، ثم طفق يفكر ويدبر فيما يوقفه عند حده، والتخلص منه.

وقد حدث أن أرسل أبو جعفر إلى أبى مسلم من يخبره أنه ولاه على مصر والشام، وأن عليه أن يتوجه الشام ؛ ليكون قريبًا من الخليفة وأمام عينيه وبعيدًا عن خراسان ؛ حيث شيعته ومسقط رأسه، إلا أن أبا مسلم أظهر سوء نيته، وخرج على طاعة الخليفة المنصور، وقد نقض البيعة عنه، ولم يستجب لنصيحة أحد، فأغراه المنصور بالرسل وبالوعود وبكل ما يطيق وما لا يطيق حتى قدم إليه وهو فى العراق، فقتله بعد أن حاكمه جهارا في مجلسه  سنة 137هـ/ 756م.

وطبيعيٌّ ، فقد أثار مقتلُ أبى مسلم الخراسانى جدلا كبيرًا، فكان ممن غضب لمقتل أبى مسلم الخراسانى، رجل فارسي من قادته اسمه “سُنباد”، فثار والتف حوله الكثيرون من أهل “خراسان”، فهجموا على ديار المسلمين فى “نيسابور” و”قومس” و”الرى”، فنهبوا الأموال وقتلوا الرجال وسبوا النساء، ثم تبجحوا، فقالوا: إنهم عامدون لهدم الكعبة، فأرسل إليهم المنصور جيشًا بقيادة جمهور ابن مرار العجلى، فهزمهم واستردَّ الأموال والسبايا، ولا يكاد أبو جعفر يتخلص من “سنباد” سنة 137هـ/ 756م، حتى واجه ثائرًا ينادى بخلع المنصور، إنه “جمهور بن مرار العجلي” قائد جيوش المنصور التى هزمت “سنباد”..
وأية ذلكــ ، أنه لما هزم حشدُ سِنْباد، واسترد الأموال، كانت خزائن أبى مسلم الخراسانى من بينها، فطمع “جمهور”، فلم يرسل المال إلى الخليفة المنصور، بل ونقض البيعة ونادى بخلع المنصور، فأرسل المنصور القائد المعروف “محمد بن الأشعث” على رأس جيش عظيم، فهزم “جمهورًا” وفر هاربًا إلى “أذربيجان”، وكانت الموقعة فى سنة 137هـ/ 756م.

ومع ذلكــ ، فلم يَصْفُ الجو لإبي جعفر، إذ قامت في فترة خلافته الأولى ثورات وثورات تهدد الحياة وتحول دون الاستقرار والأمن. فقد  كانت هناك ثوارت للخوارج ممن أصبحوا مصدر إزعاج للدولة العباسية، فخرج آنذاك “مُلَبّد بن حرملة الشيبانى” فى ألف من أتباعه بالجزيرة من العراق، وانضم إليه الكثيرون، فغلب بلادًا كثيرة، إلى أن تمكنت جيوش المنصور بقيادة خازم بن خزيمة من هزيمته فى سنة 138هـ/ 757م، كما تحرك الخوارج مرة ثانية فى خلافة المنصور سنة 148هـ بالموصل تحت قيادة “حسا بن مجالد الهمدانى”، إلا أن خروجه هو الآخر قد باء بالفشل.
وواجه الخليفة المنصور العباسى ثورات منحرفة لطوائف من شعبه، ففى سنة 141هـ/ 759م.. واجه المنصور ثورة أخرى  من الخوارج يقال لها “الراوندية” ينتسبون إلى قرية “راوند” القريبة من أصفهان في بلاد فارس ، إيران الحالية، حيث كان هؤلاء يؤمنون بتناسخ الأرواح، ويزعمون أن روح آدم انتقلت إلى واحد يسمى “عثمان بن نهيك” وأن جبريل هو الهيثم بن معاوية ، وكان بدوره رجلا من بينهم ، بل لقد خرجوا عن الإسلام زاعمين أن ربهم الذى يطعمهم ويسقيهم هو “أبو جعفر المنصور”نفسه ، فراحوا يطوفون بقصره قائلين : هذا قصر ربنا. وقد رأى أبو جعفر أنه لن ينفع مع هؤلاء إلا القتال والضرب على فتنتهم بقبضة من حديد، فقاتلتهم جنود المنصور حتى قضى عليهم جميعًا بالكوفة.

فمن أخطر الثورات التى واجهت المنصور خروج محمد بن عبدالله بن الحسن بن الحسن بن على، وكان من أشراف بنى هاشم علمًا ومكانة، وكان يلقب بـ “النفس الزكية” فاجتمع العلويون والعباسيون معًا وبايعوه أواخر الدولة الأموية، وكان من المبايعين “المنصور” نفسه، فلما تولى الخلافة لم يكن له هم إلا طلب محمد هذا خشية مطالبته بطاعة هؤلاء الذين بايعوه من قبل، وهنا خرج “محمد” النفس الزكية بالمدينة سنة 145هـ/763م، وبويع له فى كثير من الأمصار. وخرج أخوه “إبراهيم” بالبصرة، واجتمع معه كثير من الفقهاء، وغلب أتباعه على “فارس” و”واسط” و”الكوفة”، وشارك فى هذه الثورة كثير من الأتباع من كل الطوائف.

وعلى كل حال، فقد بعث المنصور إلى “محمد النفس الزكية” يعرض عليه الأمن والأمان له ولأولاده وإخوته مع توفير ما يلزم له من المال، ويرد “محمد” بأن على المنصور نفسه أن يدخل فى طاعته هو؛ ليمنحه الأمان، فـكانت المواجهة العسكرية هى الحل بعد فشل لصيغ الديبلوماسية والمكاتبات الهادفة للتسوية مع أبناء عمومته، واستطاعت جيوش أبى جعفر أن تهزم “النفس الزكية” بالمدينة وتقتله، وتقضى على أتباع إبراهيم فى قرية قريبة من الكوفة وتقتله بدوره .

ويظل مسلسل الثورات يتوالى على مر الأيام، ففى سنة 150هـ يخرج أحد الثوار ببلاد خراسان ويستولى على أكثرها، وينضم له أكثر من ثلاثمائة ألف، فيقتلون خلقًا كثيرًا من غوغائية المسلمين، فيهزمون الجيوش فى تلك البلاد، وينشرون الفساد هنا وهناك، ويبعث أبوجعفر المنصور بجيش قوامه أربعون ألفا بقيادة “خازم بن خزيمة”أحد رجال دولته ، فيقضى على هؤلاء الخارجين، وليعود الأمن والاستقرار فى ربوع خراسان.

ومهما يكن ، فقد راح المنصور يواصل ما بدأ به، كما طفق يبنى ويعمر بعد أن خَلا له الجو من البلبلة والفوضى والأدعياء ، فدانت له البلاد وبايعه العباد.

ولقد فكر أبو جعفر -منذ جلوسه على كرسي الملكـ – فى بناء عاصمة للدولة العباسية التي يمكنه أن يضمن من خلالها السيطرة على دولته، وإرساء قواعدَها الراسخة لها،فشرع فى بناء بغداد سنة 145هـ على الضفة الغربية لنهر دجلة عند أقرب نقطة بين دجلة والفرات، لتصبح ملتقى الطرق القادمة من الشام شمالا، ومن الصين شرقًا، ومن طوائف مصر، ومن الحجاز جنوبًا، إلى جانب موقعها العسكرى الخطير، فهى بين نهرى الفرات ودجلة، فلا وصول إليها إلا على جسر أو قنطرة، فإذا قطع الجسر وخربت القنطرة لم يتمكن معتدٍ من الوصول إليها، ولبغداد مزايا أخرى عديدة، أغرت المنصور بالإسراع فى بنائها، فراح أبو جعفر يأمر بإحضار الفعلة والصناع من بلاد العالم؛ ليحققوا نهضة، وليقيموا حضارة، وليصنعوا المستقبل لدولة الإسلام والمسلمين. وكان مِنْ بين مَنْ استعان بهم المنصور فى ضبط العمل ببغداد: الإمام الجليل أبو حنيفة النعمان.

ولقد وضع المنصور بنفسه أول حجرة في البناء وهو يقول : باسم الله، والحمد لله، وإن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين. ثم قال: ابنوا على بركة الله، وكان الإمام أبو حنيفة النعمان صاحب المذهب الفقهي المعروف هو القائم على حسابات بناء المدينة والمتولى لنحث الحجارة وصناعة الأجور. وأصبحت بغداد عاصمة لها شأنها بين عواصم العالم.
وكانت بغداد تتمتع بالطرق الواسعة النظيفة التى تمتد إليها المياه من فروع نهر دجلة فى قنوات مخصوصة تمتد بالشوارع صيفًا وشتاءً، وكانت شوارعها تكنس كل يوم، ويحمل ترابها خارجها، وعيَّن المنصور على أبوابها جندًا يحفظون الأمن بها، فصانها وحفظ لها نظامها ونظافتها من الداخل، وقد فرغ من بناء بغداد وسورها وأسواقها وخندقها بعد 4 سنوات أى سنة 149هـ الموافق  766م، وأمام كثرة النازحين إلى عاصمة الخلافة أجمل مدن العالم آنذاك، كان لابد أن يهتمَّ المنصور ببناء سوق يضم أصحاب الصناعات والتجار والباعة. وفعلا بنيت “الكرخ” سنة 157هـ/ 774م لتظل عاصمة الخلافة محتفظة بجمالها وسحرها وتألقها.

ومهما يكن فقد كانت الكرخ سوقًا نموذجية، فلكل تجارة سوق خاصة بها، ولم يبقَ إلا أن يبنى المنصور مسجدًا جامعًا يجتمعون فيه حتى لايدخلوا بغداد، فبنى للعامة جامعًا، وهو غير جامع المنصور الذى كان يلى القصر، وفى سنة 151هـ/ 768م كما بنى المنصور مدينة أخرى لابنه المهدى على الضفة الشرقية لنهر دجلة وهى مدينة “الرصافة” ثم بنى “الرافقة” فكانت هاتان المدينتان صورة مصغرة من بغداد.

وإلى جانب هذه النهضة العمرانية راح المنصور يسهر على تنفيذ طائفة من الإصلاحات الداخلية على مستوى الدولة العباسية كلها، وإذا كان العدل أساس الملك، فإن الذين يقومون على العدل ينبغى أن يتم اختيارهم بعيدًا عن الهوى والمصالح. فقد رُوى أن “الربيع ابن يونس” وزير “أبى جعفر” قال له ذات يوم: إن لفلان حقّا علينا؛ فإن رأيت يا أمير المؤمنين أن تقضى حقه وتوليه ناحية. فقال المنصور: يا ربيع، إن لاتصاله بنا حقّا فى أموالنا لا فى أعراض الناس وأموالهم. ثم بين للربيع أن لا يولى إلا الأكفاء، ولا يتأثر بأصحاب النسب والقرابة. وكان يقول: ما أحوجنى أن يكون على بابى أربعة نفر، لا يكون على بابى أعف منهم، فـَـهُمُ أركان الدولة، ولا يصلح الملك إلا بهم: أما أحدهم: فقاض لا تأخذه فى الله لومة لائم.والآخر: صاحب شرطة ينصف الضعيف من القوى، والثالث: صاحب خراج، يستقضى ولا يظلم الرعية، فإنى عن ظلمها غنى.

ثم عض على إصبعه السبابة ثلاث مرات، يقول فى كل مرة: آه. آه، كأنه يتذكر، فقال الربيع  ما هو يا أمير المؤمنين؟ قال المنصور : صاحب بريد يكتب خبر هؤلاء على الصّحَّة، فيكون رجلا يُخبرنى بما يفعل هؤلاء لا يزيد عليه ولا ينقص.

فهكذا كان المنصور حريصًا على إقامة العدل، ووضع الرجل المناسب فى المكان المناسب، وإلى جانب هذا، فقد كان يراقب عماله وولاته على الأقاليم، ويتتبع أخبارهم أولا بأول، ويتلقَّى يوميّا الكتب التى تتضمن الأحداث والوقائع والأسعار ويبدى رأيه فيها، ويبعث فى استقدام من ظُلم ويعمل على إنصافه متأسيًا فى ذلك بما كان يفعل الخليفة الثانى عمر بن الخطاب -رضى الله عنه-!
ولقد أعطى المنصور كل العناية للمساجد، خاصة للمسجد الحرام في مكة ، فعمل على توسعته سنة 140هـ، وسار إلى بيت المقدس بعد أن أثر فيه ذلك الزلزال الذى حدث بالشام، فأمر بإعادة بنائه مرة أخرى، وبنى المنصور مسجدًا بمنى وجعله واسعًا، يسع الذين يقفون فى منى من حجاج بيت الله، وشهدت مدن الدولة الكبرى نهضة إنشائية وعمرانية، روعى فيها بناء العديد من المساجد فى البصرة والكوفة وبغداد وبلاد الشام وغيرها من أقاليم الدولة.
ويذكر التاريخ للمنصور- إلى جانب هذه النهضة الإصلاحية العمرانية- اهتمامه بالزراعة والصناعة وتشجيعه أصحاب المهن والصناعات، وتأمينه خطوط التجارة والملاحة فى الخليج العربى والبحر الأبيض المتوسط وبحر عمان حتى الصين من خطر القراصنة الهنود الذين كانوا يقطعون طرق التجارة، ويقتلون التجار، ويستولون على الأموال، وراح قُواده يؤدبون هؤلاء اللصوص. وكثيرًا ما يعود قواد البحر بالغنائم والأسرى حتى انقطعت القرصنة بعد سنة 153هـ/ 770م، ولقد تم فى عهده إعادة فتح “طبرستان” سنة 141هـ/ 759م، في بلاد ما وراء النهر.
فقد أعطى المنصور اهتمامًا بالغًا بجهة الشمال؛ فراح يأمر بإقامة التحصينات والرباطات على حدود بلاد الروم الأعداء التقليديين للدولة الإسلامية، فكانت الغزوات المتتابعة سببًا فى أن ملك الروم راح يطلب الصلح، ويقدم الجزية صاغرًا سنة 155هـ. ولا ننسى للمنصور حملته التأديبية على قبرص لقيام أهلها بمساعدة الروم، ونقضهم العهد الذى أخذوه على أنفسهم يوم أن فتح المسلمون قبرص.
وعليه، فــهذا هو “المنصور”فحل بني العباس ، وهذه هى إصلاحاته فى الداخل والخارج رحمه الله رحمة واسعة، لقد كان يعرف لنفسه حقها، وللناس حقهم، ولربه حقه، إذ أراد أن يحج سنة 158هـ  الموافق لـ 775م، فمرض فى الطريق، رحمه الله، فقد كان مُقبلا على الحياة والبناء والفكر والثقافات  .

اضف رد

إعلن لدينا