You are here: Home 2 كتاب الآراء 2 الحداثة وتكريس اغتراب الإنسان المتمدن

الحداثة وتكريس اغتراب الإنسان المتمدن

الانتفاضة


ارتبطت الحداثة في البداية بهدم كل ما هو قديم
، والثورة على كل ما لا يخضع للمنطق باستخدام العقل، وقد أدى الإيمان و الاعتقاد المفرط بقدرة العقل استعمالالعقل النقدي إلى الاعتقاد  بتامينأفضل لمستقبل البشرية، والانتفاضة ضد كل الأفكار الغيبية والروحانية، واعتبار الحاضر حضن ومخاض مجتمع حديث مبني على حركة  عقلانية آمنت بالعقل إلى درجة القداسة، لكن المؤسف هو أن المعتقد السائد هو ارتباط هذه الثورة بالعملية العلمية والتقنية أكثر من أي مفاهيم فلسفية أخرى.

إذا كانت الثورة الصناعية الأولى في القرن 18، قد أدخلت الآلة البخارية ،والثورة الثانية في القرن 19 قد عمدت على التمكين لتضخم الإنتاج مع ظهور الكهرباء، فان الثورة الثالثة قد انطلقت مع بداية ستينات لقرن الماضي باختراع الحاسوب، لكن انتشار الواسع لتقنيات التكنولوجيا  وثورة المعلومات ووسائل التواصل واستخدام الذكاء الصناعي ،تعتبر ثورة واضحة المعالم قوامها الرقمنة والقدرة على التعديلات الجينية  وكذا إنتاج الإنسان الآلي،وهي كلها اختراق تقني وتفاعلات مبتكرة لم يعد الإنسان يتحكم فيها.

ألا تعتبر هذه النتيجة في حد ذاتها الصدمة الأولى في مبدءا الظاهرة الحداثية ؟

واكب المجتمع الغربي ثوراته الصناعية، بنقاشات وتحولات أفرزت حركات في كل المجالات الموازية اجتماعيا وفنيا وفكريا،بقيت مثار نقاش جدلي سمح بالوجود والتنافي بين كل هذه الحركات لتشكل حرية ناضجة إلىدرجة الذروة .

لكن الانتكاسة كانت أفظع في مجتمعات لم تتفاعل ثقافتها مع هذا النقاش، بل اعتمدت على الاستيراد البليد عبر تقنيات الانتشار الإعلامي والتواصل ،إما عن طريق الغزو أو التجارة.. مما جعل هذه المجتمعات تعرض لاهتزازات، وتعيش على إثرهاأزمات و صراعات و واختلالاتمركبة  اجتماعية وفكرية  لا تعد ولا تحصى .

فإذا اختار الإنسان الغربي هذه الحداثة كاختيار بإرادته وسعيهنفان الإنسان خارج هذه الدائرة قد أدخلته في دوامة من التيه ، بعد أن كان تطوره يسير بوثيرة  بطيئة وتلقائية، لكن التواصل مع الضفة الغربية  ادخله في زوبعة من التيارات تختلف بدرجة إيمانها بهده الحداثة أو حتى رفضها وتكفيرها، مما جعله يعاني  ألماصامتا على اثر هذا التغير الجذري،وقد اثر هذا على وثيرة الاندماج المجتمعي لفئاته، والتي دخلت في  صراعات وحركات اجتماعية وفكرية كان لها كبير الأثر على شخصية الفرد ونمط تفكيره واختياراته  وحياته بصفة عامة .

فئات عظمى كانت أكثر جرأة فتبنت العقلانية وأمنت بالحرية إلى درجة الاستلاب، وأخرى كانت نفعية استقت بقدر محافظتها على التوازن بين الموروث والحديث، فأضحت السعادة والنماء كيمياء لهذه الاختيارات المجردة

لم يكن الإنسان كفاعل وكغاية لهذه السعادة في هذه الاختيارات محط اهتمام في بعض المحطات ،حيث تبلورت معتقدات بدرجة كبيرة من التفرد والحركات الغريبة التي اكتسحت هذه المجتمعات،مما عجل بنسف الأسس التي ينبني عليها المجتمع المتوازن من إيمان بالقوى الفكرية المتوازنة ن والسعي نحو ثورة إنسية تعطي للإنسان كفاعل معتمد في تحديد ملامح هذه الحداثة ،عوض أن يصبح الغلو في تبني هذه  الحداثة بداية احتضار للحضارة الإنسانية وغزو الإنسان الآلي .

إن التحول الذي أصبح عليه العالم السائر في النمو أو التطور  نتيجة بعض الأفكار المولدة ،والتي أطلقت العنان لفوضى الحرية ،ليعد بالمسخ لقيم الإنسانية وينبئ بنظام  عشوائي في بنيته ، طائش في قراراته ، قوي ومتطور بتقنياته والياته ،غزير بوفرة معلوماته، يفرز سمومه في النشء المراهق المعاصر، فيجعل منه كائنا غريبا متحولا تابعا ومفعولا به ضحية نزعات غالبا ما تفتقر إلى الأخلاق الإنسانية .

وبهذا يصبح الحلم بالسعادة الإنسانية وبالإنسان  كفاعل  ومؤثر في الحضارة الإنسانية، حلما نوقع على شهادة وفاته بهذه القرارات الطائشة ،والتي همشت أي نظرة استشرافية للمستقبل ،وزاغت عن الصواب بالغرق في نزوة الصحوة التكنولوجية الحديثة .

 إن الخلل ليس في تبني أو اختيار الحداثة كمفهوم أو  كنمط تفكير وعيش ، بل في تأجيل معالجة كل الاختلالات في الأنظمة الاجتماعية بين الفئات ،وكل ما يمكن أن تفرزه هذه التبعات من انهيار الدولة وقيام مجتمع اللادولة .

من كل هذا كله يمكن أن نستخلص أن الحداثة كوسيلة لإسعاد الإنسان أصبحت غاية وأصبح الإنسان وسيلة وآلة.

فما أحوجنا إلى وقفة تأمل لتصحيح المسار وإحداث تغيير جذري لكل هذه التوقعات المرضية المفضية لجحيم سببه الغرائز اللانسانية .

ذ بوناصر المصطفى 

Please follow and like us:

Leave a Reply

إعلن لدينا
close
Facebook IconYouTube Icon
الإنتفاضة

FREE
VIEW